الأربعاء، 20 يناير 2021

لنضحك مع الشهيد عمر بنجلون يوسف الطاهري

 لنضحك مع الشهيد عمر بنجلون

يوسف الطاهري
السخرية والنكتة من أجل بعث المرح والفرح في النفوس، كانت خاصية أخرى تميز شخصية عمر بنجلون، ورغم المعاناة القاسية التي عاشها عمر في أقبية السجون والمخفرين السريين درب مولاي الشريف ودار المقري والتعذيب على شط البحر، والمراقبة المستمرة التي تعرض لها، والعذاب الذي تعرضت له العائلة واعتقال شقيقية الزبير واحمد، ومتاعب التنظيم ودسائس القيادتين الاتحاد المغربي للشغل والاتحاد الوطني ثم الاشتراكي. كل ذلك لم يمنعه من السخرية والنكتة ليزيح عن نفسه والمحيط آثار الألآم والمعاناة. وربما يرجع الفضل في هذه الخاصية التي تميزه وتميز كل إخوته هو أن والدته كانت هي الأخرى تعرف بسخريتها اللاذعة حسب ما علمنا. وأن الميل للنكتة والسخرية عرف بهما أخويه الفقيدين عباس وأحمد.
وحتى لا أطيل و أنا أعلم أن العديد ممن رافقوا عمر حكوا عنه العديد من النكت، أسرد بعض ما جاء في مداخلة لعبد الجليل با حدو والذي عاش فترة مع عمر في جريدة المحرر، وقد رواها ذات ذكرى لاغتيال عمر في ندوة نظمها حزب الطليعة باوروبا بباريس سنة 2016 .
بزاف زوج عْكاكَنْ عْلى بَرْكَمْ
وقبل ذلك أروي حكاية حكاها لي الفقيد أحمد بنجلون عندما التقيت به في باريس بعد عدة سنوات لم ألتق به فيها، وسألته عن أحوال الرفاق وحين سألته عن أحدهم وهو معروف بالإطالة في الكلام. ضحك كثيرا وقال لي سأروي لك حكاية عن عمر بنجلون:
قام عمر بجولة في البلاد من أجل التحضير للمؤتمر الاستثنائي، وعندما وصل إلى قرية "بركم" وهي عين بني مطهر حاليا، نظم فرع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ندوة حول في الموضوع. وبعد أن أنهى عمر عرضه أخذ أحد الحضور الكلمة وتحدث طويلا ولم يتوقف بدون أن يخوض في موضوع النقاش حتى ساد الملل في القاعة. وعندما أخذ عمر الكلمة قال بسخرية أضحكت الجميع في القاعة: بزاف جوج عْكاكَنْ على بركم
والعكون تقال للشخص الأحمق أو أحيانا لشخص تائه لا يدري ما يفعل. وبَرْكَم قرية صغيرة يوجد فيها عكون واحد ولا تحتمل اثنين، فإذا انضاف لها عكون ثاني فذلك كثير عليها.
عمر وشارل ديغول
حصل عمر على المرتبة الأولى ضمن الفوج المتخرج من المدرسة العليا للاتصالات باريس سنة 1959/1960. ومن النوادر التي يحكيها عبد الجليل با حدو، أنه لما حصل عمر على دبلوم المدرسة العليا للاتصالات، وزعت السلطات الفرنسية جوائز على الفائزين بالمرتبة الأولى. وقد أشرف على حفل توزيع الجوائز الرئيس الفرنسي شارل ديغول. وعندما تقدم عمر لتسلم الجائزة، لاحظ ديغول أن عمر بنجلون قصير القامة، فقال مندهشا:
- عجبا هذا القصير القامة هو الفائز بالمرتبة الأولى.
- Comment il est petit de taille ce garçon
فأجاب عمر بعفوية: - نعم أنا قصير القامة ولكن طويل في الأسفل.
- Vraiment je suis petit de taille mais grand en bas
فما كان على ديغول إلا أن ينفجر ضحكا.
عمر والمراكشية
من الأحداث التي يتذكرها عبد الجليل باحدو أنه تم اقتراح أحد الصحافيين للالتحاق بجريدة المحرر ورفضه مصطفى القرشاوي، لكن عمر أراد معرفة السبب، وخجل القرشاوي ليبرر موقفه. ومع إصرار عمر على ذلك، أخبره القرشاوي أن الشخص المقترح مثلي، لكن عمر غضب وتفجر في وجه القرشاوي قائلا: أنا أريد عقله وفكره وثقافته ولا يهمني ما يفعل بمؤخرته فهذا شان شخصي، لا علاقة لنا به، فكل شخص يلبي نزواته بالطريقة التي تعجبه ثم و بصورة ساخرة قال: نسيت أنك مراكشي وأنكم تولون هذا الامر اهتماما كبيرا.
عمر والخادمة التي تخالط عمال ورش للبناء
يحكي عبد الجليل باحدو أنه تناول الغذاء عند عمر بنجلون مرفوق بأحمد المديني وحسن العلوي، وقد اشتكت زوجته السيدة لطيفة بتصرفات الخادمة التي تذهب عند عمال بورش بناء قريب من المنزل، ثم سألها عمر: هل الخادمة تقوم بمهامها تنظيف البيت، وغسل الأواني، كي الملابس.. فأجبت بالإيجاب. ثم قال عمر: إذن بما أنها تقوم بمهامها ما شأنك في قضاياها الأخرى، إن القطة حين تتحرك غزيرتها الجنسية تنط من فوق الأسوار لتبحث عن شريك وهذا بالضبط ما تقوم به أم تريدين أن أنوب عن عمال الورش.


الأحد، 10 يناير 2021

الجلادون الذي قاموا بالانتهاكات الجسيمة

 الجلادون الذي قاموا بالانتهاكات الجسيمة:

( الإختطاف - الإغتيال - الإعتقال التعسفي -التعديب)
_حسني بنسليمان _حميدو العنيكري
_قدور اليوسفي
_محمود عرشان
_ إدريس البصري
_ عبد الملاك الحمياني
_ بوبكر الحسوني
_ ميلود التونزي
_ عبد الحق العشعاشي
_ الكولونيل التمسماني
_ الكوماندر عبد العزيز بنونة
_ ميلود إبيورك
_ الكولونيل الزرهوني
_ الطيب هابي
_ محمد فضول
_ محمد العشعاشي
_ عبد القدر صاكا
_ محمد المسناوي
_ الكابتان عدي
_ محمد الخلطي
_ محمد النويني
_ عبد اللطيف بنغانم
_ عبد الحميد جاسوس
_ محمد حليم
_ علي بن طلحة
_ بدر الذين بنونة
_ محمد القاضي
_ العلوي المدغري
_ محمد دبي قدمري
_ أحمد البخاري
_ الكولونيل اليوسي
_ محمد فدواشي
_ الكرواني بناصر
_ جميل العوفير
_ الكوميسير بنمنصور
_ علال خمسي
_ ريحان المعطي
_ غيناوي عبد العزيز
_ حسن بنيوسف
_ الكوماندر عبد الله الوحيدي
_ جميل الحسين ( توفي )
_ محمد عنان ( توفي )
_ أجداين أحمد ( توفي )
_ محمد اوفقير ( توفي )
_ أحمد الدليمي ( توفي )
المصدر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.


محمد الخلطي.. مالك مفاتيح الجماعات الإسلامية

 محمد الخلطي.. مالك مفاتيح الجماعات الإسلامية

نشر في المساء يوم 19 - 10 - 2008

بعد حصوله على شهادة الدروس الإعدادية من ثانوية مولاي إدريس بفاس، لم يتردد الشاب محمد الخلطي في الالتحاق بالإدارة العامة للأمن الوطني في شتنبر 1957. بعد اشتغاله بالدارالبيضاء، قرر العودة إلى فاس قبل أن يستقر بالرباط بعد تعيينه سنة 1975 رئيسا لفرقة محاربة التطرف السياسي والديني.
درس الخلطي منذ سن الخامسة في الكتاب، وتربى في أحضان الزاوية التيجانية حيث كان والده مقدما، درس سنتين في القرويين قبل أن يعينه محمد الخامس قائدا بالقصر الملكي بفاس خلفا لجده.
بفضل تكوينه الديني، تفرغ الخلطي لملفات التنظيمات الإسلامية منذ السبعينات بمختلف توجهاتها، خاصة بعد ظهور الشبيبة الإسلامية وما تفرع عنها من مجموعات. وبعد حادثة اغتيال عمر بنجلون سنة 1975 قرر المسؤولون عن جهاز الأمن الوطني تأسيس فرق مختصة في مكافحة التطرف الماركسي اللينيني والإسلامي، وتأسست نواة الفرقة بالرباط وترأسها الخلطي بعد إنهائه تدريبات خاصة بفرنسا تلقاها من أجل مباشرة مهامه الجديدة. ومباشرة بعد تعيينه، انكب الخلطي على مطالعة كتب تفسير القرآن والمؤلفات الفقهية.
«كنا نجهل آنذاك كل شيء عن حركة الشبيبة الإسلامية، سواء تعلق الأمر بطريقة عملها أو بمناضليها. وكان المسؤولون الأمنيون يعتبرون أن كل صاحب لحية متطرف» يعترف الخلطي، الذي أضاف أن رجال الاستعلامات لم يتوفروا في تلك الفترة على أي أرشيف، ولم يخضعوا لأي تكوين ديني متخصص.
أولى الاعتقالات التي أشرف عليها كانت سنة 1977 إثر التعليمات التي تلقاها، والتي مفادها أن كل متطرف يجب أن يكون تحت المراقبة، لاسيما الذي خرج من السجن، ولم تلغ هذه المسألة إلا قبيل وفاة الحسن الثاني، وألزمت الأجهزة الأمنية النشطاء الماركسيين اللينينيين أن يشعروا الاستعلامات بسفرهم أثناء تنقلهم من مدينة إلى أخرى. حظي الخلطي بثقة بعض النشطاء الإسلاميين بفضل سياسة الحوار التي اعتمدها وفق ما يذكره، وهو ما أكده في مقابلة صحفية سابقة عندما اعترف بأنه «يفضل الاشتغال مثل الصحفي ويتأكد من الخبر بالرجوع إلى مصدره». أكد الخلطي أن بنكيران زعيم جمعية «الجماعة الإسلامية» وقيايديي حركة العدل والإحسان كانوا يعطونه معلومات عن أمورهم التنظيمية الداخلية ويشرحون له مواقفهم واتصالاتهم الخارجية بشكل مستمر، وهو يتعاون مع باقي الأجهزة الأمنية ومدها بملفات وتحركات الإسلاميين وأنشطتهم.
وبعد حصوله على التقاعد سنة 1997، ثلاث سنوات قبل تاريخه المقرر بأجرة لا تتجاوز سقف 4500 درهم، اختار الخلطي بمحض إرادته تقديم اعتذار مكتوب لضحاياه نشره في أسبوعية «لوجورنال».


تصريحات عميل المخابرات المغربي محمد الخلطي

تصريحات عميل المخابرات المغربي محمد الخلطي
نشر في أسيف يوم 31 - 10 - 2006


كان محمد الخلطي قد عاد لتوه من المستشفى بعد ظهيرة الأربعاء الماضي حين زارته "الأيام" بشقته المتواضعة بحي يعقوب المنصور بالرباط.. تردد كثيرا قبل أن يقبل بالدخول في لعبة السين والجيم بعدما مارسها طوال 40 سنة في إطار عمله بسلك البوليس السياسي الذي حمل أكثر من إسم رسمي مع تعاقب المسؤولين وهيكلاتهم لإدارة الأمن الوطني. إلتحق بهذه الإدارة يوم فاتح شتنبر من سنة 1957 مباشرة بعد حصوله على شهادة الدروس الإعدادية من ثانوية مولاي إدريس بفاس.. اشتغل بداية بالدارالبيضاء قبل أن يعود إلى فاس ثم يستقر بالرباط، حيث عين رئيسا لفرقة محاربة التطرف السياسي والديني بالعاصمة منذ تأسيسها سنة 1975.
استنطق الماركسيين اللينيين من مختلف تنظيماتهم، ثم تخصص في الإسلاميين بعد أن طفا على السطح تنظيم الشبيبة الإسلامية وما تفرع عنه من مجموعات.. وبعد حصوله على التقاعد سنة 1997، ثلاث سنوات قبل تاريخه المقرر، ظل ضميره يؤنبه على التجاوزات التي وقع فيها، فاختار بمحض إرادته تقديم اعتذار مكتوب لضحاياه نشره في أسبوعية "لوجورنال"، لكن رد الفعل المتشدد الذي صدر عن المحامي المعروف عبد الرحيم الجامعي، والذي قال إنه لا يمكن التسامح مع الجلادين أدخله في صمت دام لسنوات... يلا مزاولته لعمله.. يفتخر بكون مكتبته مليئة بالكتب المهداة التي أطلع "الأيام" على توقيعات بعض أصحابها سواء من اليساريين أو الإسلاميين.. لسانه حاله كان يتساءل.. ما الذي جناه الخلطي من 40 سنة قضاها بالاستعلامات العامة؟ لم يجن من الناحية المادية سوى أجرة لا تتجاوز سقف 4500 درهم، أما على مستوى صحته النفسية فهو مصاب بالاكتئاب تحت وقع استرجاعه لشريط طويل دام أربعة عقود.. هذا إلى جانب إصابته بالربو الحاد، والروماتيزم، وقرحة المعدة، وفقده البصر بعينه اليمنى.. خلال هذا الاستجواب نتوقف معه عند أبرز المحطات التي عايشها كمسؤول في الاستعلامات العامة كان ينسق مع باقي أجهزة الاستخبارات بخصوص ملف الإسلاميين، لنعود إلى تفاصيلها وأسرار باقي الملفات في حلقات مقبلة سيخص الخلطي قراءنا بها. هل توافق الذين يقولون إن محطة اغتيال عمر بنجلون سنة 1975 كانت هي بداية مرحلة المواجهة الأمنية للحركة الإسلامية بالمغرب؟ نعم، هذه هي الحقيقة، فمباشرة بعد حادثة اغتيال عمر بنجلون قرر المسؤولون عن جهاز الأمن الوطني تأسيس فرق مختصة يكون بوسعها مكافحة التطرف، سواء منه التطرف الماركسي اللينيني أوالتطرف اليميني. هكذا تأسست فرقة بالرباط، وكنت مسؤولا عنها، وثانية بالدارالبيضاء، وثالثة بفاس، ورابعة بوجدة، وخامسة بمراكش، وسادسة بخريبكة. وقد تلقينا تدريبات خاصة من أجل مباشرة مهامنا على أحسن وجه. تلقيتم هذه التدريبات بداخل المغرب أو خارجه؟ كانت التدريبات الأولى سنة 1975 بالمغرب، لكن بعد سنتين توجهت بصحبة عميد آخر إلى فرنسا حيث تدربنا على مكافحة تطرف اليسار وليس الإسلاميين. أعود إلى قضية اغتيال عمر بنجلون لأوضح لك أن الذين اعتقلوا في إطارها، تم اعتقالهم أساسا بالدارالبيضاء، أما بالنسبة للرباط فكانت توجد خلايا صغيرة جدا، وكان المسؤول عنها هو بن الأدهم الذي ألقي عليه القبض بداية في الدارالبيضاء قبل أن يطلق سراحه ويلتحق بالرباط من أجل مواصلة دراسته. وصراحة، كنا نجهل آنذاك كل شيء عن حركة الشبيبة الإسلامية، سواء تعلق الأمر بطريقة عملها أو بمناضليها. وكان المسؤولون الأمنيون يعتبرون أن كل ذي صاحب لحية متطرف، فلم يكونوا يفرقون بين المنتمين إلى الشبيبة أو جماعة الدعوة والتبليغ، أو السلفيين... كل ملتح فهو متطرف.. لهذا السبب عمت الفوضى، وبدأنا نشهد استنطاقات في كل جهة.. أفهم أنك باشرت مهمتك دون أن تتوفر على أي أرشيف يهم هذه الخلايا الإسلامية؟ لم نكن نتوفر على أي أرشيف، ولم نخضع حتى للتكوين الديني الذي يمكنك من التمييز بين الصوفية والسلفية وحركة الإخوان المسلمين. وكيف استطعت أن تفرق بينهم؟ استطعت فعل ذلك بحكم اجتهادي الخاص، خاصة وأن تكويني الديني منذ الصغر ساعدني على ذلك. فقد درست منذ السنة الخامسة في الكتاب، وتربيت في أحضان الزاوية التيجانية حيث كان والدي مقدما، والذي درس سنتين في القرويين قبل أن يعينه المغفور له محمد الخامس طيب الله مثواه قائدا بالقصر الملكي بفاس خلفا لجدي إثر وفاته.. هكذا حفظت بعض السور من القرآن الكريم، والألفية، والأجرومية، والأذكار على الطريقة التيجانية، وتابعت دراستي بثانوية مولاي ادريس بفاس. وبعد تعييني رئيسا لمصلحة محاربة التطرف السياسي والديني عزمت على التفقه ولو قليلا في الدين، فقرأت بعض كتب تفسير القرآن، وجواهر البخاري في شرح القسطلاني، و"في ظلال القرآن" و"معالم في الطريق" للسيد قطب، وكتاب الشيخ حسن البنا و"الإخوان المسلمون" للدكتور رؤوف شلبي، ودرست كذلك كتبا في الصوفية، والسلفية، والبهائية، والقاديانية، واهتممت كذلك بدراسة المسيحية، ولاسيما النحل المتطرفة ك"شهداء يسوع" لأن المغرب كان يعرف منذ السبعينات حملة تنصيرية في صفوف الشباب الذي كان يفكر في الهجرة إلى أوربا عن طريق التنصير، وفي هذا الصدد أشير إلى أنني أثناء مزاولة عملي لمحاربة التطرف نجحت في إقناع بعض المغاربة الذين اعتنقوا الوهابية أو النصرانية بالرجوع إلى دينهم الإسلامي الحنيف، وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة بدل تقديمهم إلى المحاكمة كما وقع بالدارالبيضاء والمحمدية في التسعينيات، الأمر الذي جعل منظمات حقوقية أوروبية وأمريكية تشن حملة دعائية ضد المغرب من خلال اتهامه بخرق حرية التدين. ومتى بدأت مباشرة اعتقال هؤلاء النشطاء الإسلاميين بمدينة الرباط؟ أولى الإعتقالات كانت سنة 1977. أتذكر أنه بعد صلاة الفجر اتصل بي هاتفيا ضابط المداومة السيد بنعلي، وقال لي إن جماعة من الشباب قد صلوا بمجسد حكم بحي المحيط ووزعوا مناشير تحمل إسم الشبيبة الإسلامية، وكانت هذه أول مرة نعثر فيها على توقيع الشبيبة الإسلامية، وحين طلبت منه أسماء هؤلاء الشباب، ذكرها لي، وقال لي إن واحدا منهم إسمه بن الأدهم كانت معه حقيبة ولا علاقة له بهم، فهو كان يستعد للسفر.. فنبهته أن هذا الشاب هو مسؤول الشبيبة الإسلامية بالرباط... وبعد ذلك تولت فرقة الشرطة القضائية التحقيق معهم، وكان آنذاك تنافس كبير بين الأقسام، فاتفق الشباب العشرة الذين اعتقلوا على توجيه التهمة إلى شاب إسمه بخات، والذي لم تكن تربطه أي علاقة بالشبيبة الإسلامية. ولأي جماعة كان ينتمي بخات؟ كانت له جمعية ثقافية لا علاقة لها بتنظيم مطيع، وإنما تضم مغاربة وسوريين من جماعة الإخوان المسلمين الذين جاؤوا للاستقرار بالمغرب. وتم اعتقاله رغم كونه لا ينتمي إلى الشبيبة الإسلامية؟ نعم، اعتقلته الشرطة القضائية، والمشكل أنه بعد خضوعه للتعذيب بدأ يقول إن مجموعة خططت لاغتيال مسؤولين سياسيين وحكوميين، وذكر منهم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية ومدير الأمن الوطني ربيع.. ووقعت اعتقالات على صعيد المغرب كله، وكان من ضمنهم الدكتور أحمد الريسوني الذي استجوبته في هذا العدد من جريدتكم، والأستاذ گديرة رئيس المجلس العلمي للرباط حاليا، والذي كان مفتش تعليم وقتها.. وكيف عرفت أن بن الأدهم لم يكن عضوا بالشبيبة الإسلامية ولا علاقة له بالمناشير التي وزعت؟ لقد اطلعت على التقرير الذي أنجزته فرقة الشرطة القضائية وأرسلته إلى المدير الذي أمر بالاعتقالات، ورأيت أنه تم الوقوع في خطأ، حيث لم يتم تفتيش منازل هؤلاء الشباب حتى نعرف أين طبعت المناشير. كنت أعلم أن ابن الأدهم هو المسؤول، فنسقت مع الشرطة القضائية وتوجهنا إلى منزله بحي التقدم، فوجدنا فعلا المنشورات وآلة الطباعة. والغريب أن هؤلاء الشباب الذين كانوا ينتمون إلى الشبيبة الإسلامية انحرفوا بعد إطلاق سراحهم بسبب الكذب الذي رأوه في مسؤولهم الذي كان يعلمهم وجوب المحافظة على الأخلاق وما يأمر به الدين الإسلامي.. والذي تسبب في تعذيب بخات.. وبعد هذه القضية.. هل تمت اعتقالات أخرى في صفوف الشبيبة الإسلامية بالرباط؟ القضية الثانية ارتبطت بعبد الإله بنكيران، الذي كنا نشك في أنه من تحمل المسؤولية بالرباط بعد بن الأدهم، وقد كان على اتصال دائم بمطيع، لدرجة أنه سافر إلى فرنسا من أجل اللقاء به. وقد اعترف لي بهذا فيما بعد، وقال لي إنه كان قد ضرب موعدا مع مطيع للقاء به بأحد الفنادق لكنه لم يأت، وغير مكان اللقاء، وحين سأله لماذا هذه المراوغة؟ أجابه أنه لا ينبغي له أن يضع ثقة حتى في زوجته.. المهم، بعد سنة 1977 لم نستطع أن نجد أي دليل ضد بنكيران، وكان أول عمل مكشوف قام به، هو توزيع مناشير أمام باب فندق هيلتون على هامش انعقاد مؤتمر للمحامين الشباب، وذلك للتنديد بمحاكمة عناصر الشبيبة الإسلامية ونفي مطيع خارج المغرب. لكن قرار متابعته جاء بعد محاكمة اغتيال عمر بن جلون سنة 1980، حين حكم على مطيع بالإعدام غيابيا، فاتصل ببنكيران عبر الهاتف، وطلب منه أن يجمع الاخوة بالمسجد المحمدي بالدارالبيضاء وأن يخرج بهم في مظاهرة.. آنذاك اعتقل العشرات من هؤلاء الشباب، لكن رجال الشرطة كانوا يجهلون طبيعة التنظيم الذي ينتمون إليه، فاتصلوا بي عبر الهاتف وأخبروني بما وقع فطلبت منهم أسماء بعض الشباب، فأعطوني إسم الأمين بوخبزة، يتيم، حزيم فقلت لهم هذه الشبيبة الإسلامية.. ويجب أن تعتقلوا مسؤولهم بالرباط عبد الإله بنكيران لكنه هرب. وهنا قمنا بحراسة منزله بحي العكاري، لكننا لم نجده طوال 3 أيام. وصدفة توجهت إلى عين المكان لمراقبة الطريقة التي تتم بها الحراسة، فوجدته مارا بسيارته بصحبة والدته من أمام المنزل، فاعتقلناه وبدأت أمه تصيح، وطمأنتها أنها لن تتعرض لسوء.. وأشرفت على استنطاقه بنفسك؟ نعم استنطقته وحققت معه بنفسي، وكنت طوال 25 سنة أمضيتها في الإستعلامات العامة آنذاك أعرف أن المتهم لابد وأن يتكلم أثناء استنطاقه، وكان المسؤولون قد علمونا أن الإمام مالك قد أجاز ضرب المتهم حتى يعترف بجريمته، وأجاز قتل ثلثي الشعب من أجل إصلاح الثلث... هكذا كنا نعتقد في صحة هذا القول ونعمل بمقتضياته. وحين بدأت التحقيق مع بنكيران اعترف لي بمسؤوليته عن المظاهرة، وقال لي إن مطيع اتصل به وطلب منه تنظيم المظاهرة، لكنه أوضح لي أنه طلب من إخوانه الاجتماع في المسجد المحمدي للأحباس دون أن يكشف لهم عن نيته في الخروج بهم في مظاهرة، وبعد اجتماعهم أخذ مكبر الصوت وأمرهم بالتظاهر... للتنديد بالأحكام الصادرة ضد مطيع.. حذرته أن الشرطة القضائية "غادي تتكرفس عليه"، فأجابني أنه لن يعطي أسماء الذين حضروا المظاهرة، وقال إنه إذا صبره الله فالأمر كذلك وإذا لم يصبره فليس له ما يقوم به.. وهكذا كان، فالشرطة القضائية بكل صراحة "تكرفسات عليه" إلى أن أعطى بعض الأسماء. وهل لمست أن انفصال بنكيران عن مطيع جاء بعد هذا الإعتقال؟ لا، الإنفصال سيأتي فيما بعد حين أصدر مطيع من ليبيا مجلة إسمها "المجاهد"، وحتى يراوغ الأمن كان يقول إنها تصدر من بلجيكا. وفي أواخر سنة 1980 أو بداية 1981 زارني بنكيران بمكتبي، وقال لي إن مطيع أصيب بخلل عقلي، وإنه أصدر مجلة تحتوي على موقف لا وطني من قضية الصحراء، حيث رأى مطيع أن الصحراويين الذين نقاتلهم هم مسلمون وأثر صلاتهم موجودة في الرمال خلافا لما قاله صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني آنذاك من أن غالبية من نقاتل أتوا من كوبا وأنهم "غير مختونين"، أما مطيع فقال هذا خطأ، وأن البوليساريو مسلمون ولا يمكن أن نحارب إخواننا المسلمين. هذا إلى جانب إصداره البيانات ضد عدد من الحركات الإسلامية في العالم العربي، ووعدني بنكيران بأن يرسل لي أعداداً من هذه المجلة، وأخبرني أن الشبيبة الإسلامية في الرباط قررت فصل مطيع الذي اتخذ هذا الموقف اللاوطني بشكل فردي. وماذا كان رد فعلك حين قال لك بنكيران هذا الكلام؟ قدمت له نصيحة، وقلت له إذا أردت أن تكون واضحا أصدر بيانا من خلال الجرائد تحدد فيه موقفكم، وشجعته على ذلك فاستجاب لنصيحتي، وبالفعل اجتمعوا على صعيد الرباط وأصدروا بيانا ينددون من خلاله بموقف مطيع اللاوطني ويعلنون انسحابهم من الشبيبة الإسلامية، وحتى ينتقم منهم مطيع أصدر عددا من البيانات باسم المعتقلين في السجون يقولون إن بنكيران ومجموعته خونة يتعاملون مع الأمن، وبدأوا يروجون لدعاية مفادها أن بنكيران خائن يتعامل مع الخلطي ومع الدكتور الخطيب، وأصبحوا يقولون إن هذه خطة مدروسة تستهدف الشبيبة الإسلامية، الخلطي يسيرها أمنيا والخطيب يسيرها سياسيا. وكان هذا البيان الذي نشر في بعض الجرائد قد شفع للسيد بنكيران عندما اعتقل في أواخر سنة 1983 من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بعد اتهامه بتحريض تلاميذ ثانوية بمكناس على التظاهر في الشارع العمومي، ورفع شعارات ولافتات تمس بمقدسات البلاد، حيث كان هؤلاء التلاميذ قد اعترفوا أثناء استنطاقهم بدرب مولاي الشريف أنهم ينتمون إلى الشبيبة الإسلامية وزعموا أن المسؤول عن خليتهم ومحرضهم هو بنكيران. وقد نصحت بنكيران قبل أن يتوجه إلى درب مولاي
الشريف أن يأخذ معه نسخة من البيان المذكور ونسخة من ملف طلب تأسيس جمعيته، وهكذا أطلق سراحه، وقدمت مجموعة التلاميذ إلى العدالة. وهل أنت من اقترح عليهم تأسيس الجمعية؟ لا، حين قدم بنكيران ومن معه استقالتهم من الشبيبة الإسلامية، قرروا الخروج من السرية والعمل في المشروعية، فجاء المرة الأولى بنكيران لوحده ثم أتى بصحبة عبد الله بها للتشاور معي إن كان بإمكانهم تأسيس جمعية. فأجبتهم أنه يمكنهم ذلك، وقلت لهم أن يعدوا قانونها الأساسي ويركزوا على 3 محاور : موقفهم من الملكية، وموقفهم من وحدة المذهب المالكي، وموقفهم من الصحراء المغربية، ثم يفصحوا عن لائحة المكتب المؤسس. كان هذا اجتهادك الشخصي؟ أم أنك نسقت مع المسؤولين لتقترح عليهم هذا الأمر؟ لا، كانت هذه مبادرة شخصية. وقد رأيت وتأكد لي أن بنكيران يرغب في العمل في إطار المشروعية... قال لي إنهم خدعوا، وإن مطيع أوهمهم أن الحسن الثاني هو الظالم و... لكنهم حين اجتمعوا رأوا أن الحسن الثاني كيفما كان فهم يعرفون نسبه بخلاف رؤساء بعض الدول العربية... وماذا كان جوابهم حين اقترحت عليهم هذا الأمر؟ اجتمعوا على صعيد الرباط واتفقوا على توضيح النقاط الثلاث في القانون الأساسي للجمعية، لكنهم رفضوا تقديم لائحة اعتماد المؤسسين، وقالوا إن الخلطي يريد أن يضعنا في الفخ ويعرف منا الأسماء من أجل اعتقالنا. ولما أخبرني بنكيران بهذا الموقف اقترحت عليه أن يقدم الأسماء المعروفة لدى الأمن الوطني، أولئك الذين سبق اعتقالهم وأطلق سراحهم، وبنكيران مثلا كان قد حكم عليه بالسجن لمدة 3 أشهر موقوفة التنفيذ في قضية مظاهرة الدارالبيضاء.. وفي نهاية المطاف أسسوا جمعيتهم في نهاية سنة 1983 وقدموا ملف جميعة "الجماعة الإسلامية" إلى السلطات، لكنهم لم يحصلوا على الوصل. وبعد أن استشارني هل يجتمعون أم لا بعد التأسيس، سألته إن كانوا سيصدرون جريدة، فقال لي إنهم سيصدرون جريدة إسمها "الإصلاح"، فاقترحت عليه أن يجتمعوا تحت غطاء الجريدة وينظموا ندوات بإسمها. بجانب الجماعة الإسلامية كانت هناك أيضا جمعية أسسها عبد السلام ياسين، تختار العمل في ظل المشروعية. ألم يكن ملفها من ضمن الملفات التي تابعتها؟ التعليمات التي كانت بحوزتنا، هي أن كل متطرف يجب أن يكون تحت المراقبة، لاسيما الذي خرج من السجن، ولم تلغ هذه المسألة إلا قبيل وفاة الحسن الثاني-رحمه الله... وكنا آنذاك نلزم جميع الماركسيين اللينينيين أن يشعرونا بسفرهم إذا كانوا ينتقلون من مدينة إلى أخرى. أما بنكيران، فكان لي اليقين أنه يريد العمل في المشروعية، فلم أكن أراقبه كثيرا، وكنت أترك له حريته، أما في سلا فرئيس الاستعلامات بها-رحمه الله، كان يشدد مراقبته على عبد السلام ياسين، والتقارير التي تخصه كانت تضم زيادات كثيرة، وتستعمل خلالها مصطلحات تضخم من أمره وأمر جماعته.. وحتى يتعرف الأمن على الذين كانوا يزورونه ببيته من مختلف أنحاء المغرب كانوا يطلبون منهم بطاقتهم الوطنية أمام باب منزله.. ولما ضاق الحال بعبد السلام ياسين أمر أتباعه بالامتناع عن تقديم بطاقاتهم.. لكن عبد السلام ياسين كما عرفته، فهو رجل متفتح ويريد العمل في إطار المشروعية.. سبق لك أن حققت معه؟ لم أحقق معه، لكن زرته ببيته بصحبة مسؤول بوازرة الداخلية ووالي الأمن بسلا، فرحب بنا، وقال لي سيد الخلطي أنت كما حكوا لي عنك رجل متفتح ولك إلمام بالشريعة الإسلامية، لهذا فأنا أقبل بالحوار معكم، ويمكنكم أن تطرحوا ما تريدون. فقلنا له نريدك أن تعمل في إطار المشروعية. أجابنا قائلا : كيف يعقل أني مسلم، أريد العمل في إطار المشروعية ويمنعون جمعيتي، في حين أن علي يعته شيوعي يرخص له بالعمل؟. وشرحت له ما شرحته لبنكيران، فعلي يعته رحمه الله، كان ممنوعا من حزبه الأول، ولما أراد تأسيس حزب ثان عقد ندوة صحفية بفندق حسان، أبرز خلالها المحاور الثلاثة (موقفه من الملكية الدستورية، ومن الإسلام، ومن الصحراء)، كذلك الأمر بالنسبة للإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية كان موقفهم من الملكية غير واضح، لكن في مؤتمر 1975 وأوضحوا موقفهم من الملكية ومن الصحراء. وطلبت من عبد السلام ياسين أن يوضح موقفه، وقلت له أنت ضد وحدة المذهب المالكي وتطالب بالخلافة، ولم يسبق لك أن تكلمت عن الصحرآء، فصمت قليلا وطلب أن نعطيه مهلة 3 أشهر ليفكر ويرد علينا، ففهمت أن لديه خلافات.. (أقاطعه) خلافات مع من؟ خلافات في القيادة، وقد تأكد هذا بعد انسحاب البشيري فيما بعد، وعبد السلام ياسين كان يحتاج إلى الوقت من أجل إقناع من يوجد معه في القيادة، وبنكيران كذلك حتى يقنع من معه احتاج إلى 6 أشهر عقدوا خلالها عددا من الإجتماعات. وفي الحقيقة فإن سبب نهج بنكيران لتوجهه وعبد السلام ياسين لتوجه آخر، هو مسألة حظ. فعبد السلام ياسين كان متواجدا بسلا حيث كان مسؤول الاستعلامات العامة متشددا معه. فهو كان يرغب في العمل في إطار المشروعية لكنه لم يجد من يساعده، ولم يكونوا يثقون فيه. أما بالنسبة لعلاقتي ببنكيران فقد انبنت على الثقة، وتبددت الشكوك مع مرور الوقت. ومعتقلو الشبيبة الإسلامية كانوا يقولون إن بنكيران هو من كان يحدد لكم الأسماء التي يجب اعتقالها وتلك التي يطلق سراحها؟ لا، هذا أمر آخر سنصل إليه عند حديثنا عن جماعة التبين. وأعود لعبد السلام ياسين لأقول لك إن الحصار الذي ضرب عليه كان خطأ ارتكبته الاستعلامات العامة التي تجاوزت حدودها، وأوردت في تقرير لها أنه كان يتصل بالحركة الإسلامية في تونس، وأن عناصرها كانوا يزورونه، وأنه سيتم توحيد الحركة الإسلامية المغاربية، وسيكون هو المسؤول عنها.. وجاء خبر مفاده أنهم سيعقدون مؤتمرا بالخارج لاتخاذ هذا القرار، فتقرر لأول مرة منعه من السفر إلى الخارج، ومنع أعضاء جماعته من زيارته واستدعيناهم على صعيد المغرب ووقعوا محضرا يلتزمون من خلاله بعدم الذهاب إلى بيت ياسين. وفي الحقيقة لم يكن حصارا، وإنما سموه كذلك، فهو كان فقط ممنوعا من السفر إلى الخارج، أما مغادرته لبيته فكان أمرا واقعا، فقد كان يذهب لأخذ أجرته كمتقاعد، وكان يتوجه دائما إلى طبيب الأسنان بشكل منتظم أسبوعيا، لكن الأمن كان يتبعه، وهو كان يأمر السائق بتخفيض السرعة حتى تتمكن سيارة الشرطة من تعقبه.. ليظل محميا. لماذا؟ لأنه إذا فعل أتباعه شيئا لا يتهم بأنه من أعطاهم التعليمات. وحقيقة سبق لأعضاء من العدل والإحسان يقيمون بفرنسا أن أتوا إلى المغرب واعتقلناهم بعدما وصلتنا تقارير تفيد أنهم متطرفون يدعون إلى العنف، وأثناء التحقيق معهم قالوا لنا إنهم ينتمون إلى جماعة عبد السلام ياسين، ولما حملنا صورة مسؤولهم إلى عبد السلام ياسين قال لنا بالفعل هذا الشخص ينتمي إلى الجماعة، لكن إذا فعل شيئا خارج القانون فسيتحمل وحده مسؤولية ذلك. بمعنى أن عبد السلام ياسين كان يعرف ماذا يفعل.. فقط السلطات لم تحسن التعامل معه، أما هو فكان سيدخل إلى البرلمان، لأنه في أواسط الثمانينات كان يحتج على وجود الشيوعيين في البرلمان، ويقول لماذا لا يعطونا بدورنا هذا الحق. وأتذكر أنه قبل اعتقال مجلس الإرشاد لجماعة العدل والإحسان سنة 1991، ذهبت مع نفس المسؤولين بالداخلية وأمن سلا إلى عبد السلام ياسين، وطلبنا منه أن يكتب رسالة إلى الملك يوضح من خلالها مواقفه، لكنه رفض، وقال لنا إنني لست فقيها حتى يعطيني رخصة لأصلي الجمعة بالناس، وإنما أنا رجل سياسي. يعني كانت هذه فرصة ضاعت. ما الذي اقترحتموه على عبد السلام ياسين ليضمنه في الرسالة؟ قلنا له إنه لابد أن يوضح موقفه من الملكية، ويقر بأن جلالة الملك هو أمير المؤمنين، وأظن أنه لم يكن متصلبا مثل البشيري، لكن الأمور تغيرت الآن. وما هي قصتك مع بنكيران ومجموعة التبين؟ جماعة التبين كان قد أسسها عبد الرزاق المروري -رحمه الله- وكان يزورني هنا في بيتي من أجل الحصول على جواز سفره. وكان قد بلغني خبراً مفاده أن هناك مجموعة من الشباب بمسجد العكاري لهم اتصالات بإيران، وفي الحقيقة كانت سفارة إيران آنذاك تتصل ببعض الشباب وتعطيهم منشورات لتوزيعها.. ففي وقت الخميني كانت هناك محاولة لتصدير الثورة. ولما اعتقلنا ثلاثة منهم، اعترف لنا أحدهم أنهم ينتمون إلى التبين، ولما سألته عمن يكون المسؤول عنهم أجاب أنه لا يعرف. ففكرت في عبد الإله بنكيران، وقلت مع نفسي هو من سيكون له دراية بهذا الأمر، وبالفعل اتصلت به، وقلت له إننا توصلنا بخبر لا أدري إن كان وشاية أو كذبا مفاده أن هذه المجموعة لها اتصال بإيران، ونحن لا نريد القيام بضجة، ونذهب إلى المنازل ونعتقل الشباب أمام آبائهم، فمن الأحسن أن تخبر مسؤولي هذه الجماعة وتقول لهم إنه من الأفضل أن يأتوا عندي، وأنا سأحقق معهم، وإذا ثبت أنهم أبرياء فإنني أضمن لك أنهم سيذهبون لحالهم دون أن يتعرضوا للأذى فاتصل بالمجموعة، وجاؤوا جميعهم عندي، وكان عددهم 15 فردا، منهم المروري وطبيبان، ومهندسان... فقلت لوالي الأمن أنه لا ينبغي أن تعتقلهم، فوضعت رهن إشارتهم شقة وكان الصيف آنذاك، فتركت لهم الشرفة مفتوحة، وفتحت المجال لعائلاتهم من أجل الاتصال بهم. وأتذكر أن المروري كان يعد أطروحته وطلب مني الحصول على المراجع، فقلت له هاتف زوجتك وقل لها أن تحضر لك المراجع.. وهم أنفسهم قالوا إننا لم نكن في الإعتقال، وإنما في نزهة أو مخيم.. وهذا سجلته في شريط يمكنك أن تسمعهم يقولونه بصوتهم... وكم دامت هذه النزهة من النوع الخاص؟ دامت شهرين، لأنه وقعت اعتقالات على صعيد المغرب، وجميع الذين ألقي عليهم القبض بتطوان وطنجة وبني ملال والدارالبيضاء ذهبوا بهم جميعا إلى درب مولاي الشريف وإلى عناصر الرباط.. وكنت قد اتصلت بالمسؤول عن درب مولاي الشريف آنذاك -رحمه الله- وقلت له إني متأكد أن هذه المجموعة لا علاقة لها بإيران، وأنها بريئة مما يُروج عنها، لهذا فلن أرسلهم إليك، وسأحتفظ بهم في الرباط، لكن في الحقيقة تسببوا لي في مشكل كبير. ما هو هذا المشكل؟ اتصل بي المسؤول عن درب مولاي الشريف، وقال لي إنهم عثروا على وثيقة ببني ملال صادرة عن مجلس الشورى لجماعتهم بها سب وقذف لمؤسسات البلاد، لدرجة أنهم كفروا الملك.. فطلبت منه أن يرسل لي نسخة، فناديت على المروري وواجهته بها، واستنكرت أن يخفي عني الحقيقة، ويقول إنه أعطاني جميع الوثائق ولم يخف عني شيئا. فأوضح لي أن تلك الوثيقة كانت موجودة فعلا وتداولوا حولها، لكنهم لم يعتمودها فتم إحراقها، وربما هناك من احتفظ بها. ورغم كل شيء فقد أخذوا في درب مولاي الشريف بالتقرير الذي أنجزته وأطلق سراح من بالرباط أما الآخرون فقد قدموا إلى المحاكمة. هذا هو الدور الذي لعبه بنكيران، لقد ساهم في حماية هؤلاء الشباب من "تكرفيس" الشرطة، والغريب في الأمر أن علاقتي الجيدة به جعلتنا معا ندفع الثمن. بالنسبة لبنكيران دفع الثمن من خلال اتهامه بالعمالة والخيانة، لكن كيف دفعت أنت الثمن؟ المسؤولون بإدارة الأمن الوطني كانوا يعتبرون أني أعطف على الجماعة الإسلامية وأغطي عليهم، وكان هذا هو سبب عدم ترقيتي، أما بالنسبة لأعضاء الجماعات الإسلامية فكانوا يعتبرون بنكيران عميلا. أما الحقيقة فهي أنه كانت تجمعني به فقط صداقة تحددها الحاجة إلى المشورة.. إذا كان لديه مشكل يأتي ليستشيرني، وأنا إذا أردت فهم مسألة دينية أو فتوى أستشير معه، مثل هذه الفتوى التي نسبت إلى الإمام مالك وقالوا لنا إنه أجاز ضرب المتهم حتى يعترف بجريمته وقتل ثلثي المجتمع لإصلاح الثلث.. بنكيران أوضح لي أن هذا كذب، ولم يقل الإمام مالك مثل هذا الكلام.. وكيف استنطقت الريسوني؟ استنطقته في إطار القضية الأولى، حين كان ابن الأدهم قد ورط صاحب الجمعية الثقافية التي كانت تضم مغاربة وسوريين كما قلت لك. وكان الريسوني أحدهم. وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي استنطقته خلالها؟ لا، حين أسس رابطة المستقبل الإسلامي استدعيته، وحققت معه، فأخبرني أنهم مجموعة أشخاص من مدن متفرقة كفاس والقصر الكبير والرباط، وقال إن غايتهم هي الدعوة إلى الله. وماذا عن باقي خلايا الشبيبة الإسلامية التي ظلت مرتبطة بتنظيم مطيع السري.. هل كنت قد باشرت تحقيقات مع عناصرها؟ لا، هذه الخلايا لم تكن موجودة عندنا، كانت بالدارالبيضاء والمحمدية. أما بالرباط فالجميع تبع بنكيران باستثناء عبد الرزاق
المروري ومجموعته. لنعد إلى عبد السلام ياسين، فقبل سنة 1975 كان قد وجه رسالة إلى الملك الحسن الثاني "الإسلام أو الطوفان"، بمعنى أنه كان معروفا لدى السلطات.. فهل كان لديكم ملف حوله قبل أن ينطلق عمل فرقتك؟ نعم، بطبيعة الحال كان لدينا ملف حوله.. وكنا نعرف حياته كلها.. دراسته، وكيف كان وضعه بالبودشيشية، وقد بدأ عمله بمجموعة صغيرة.. وماذا كانت قناعتكم في الجهاز الأمني بخصوص مغادرته للطريقة البودشيشية؟ التقارير تفيد أنه بعد وفاة الشيخ العباس كان عبد السلام ياسين ينتظر أن يصبح خليفته، لكن حين أوكل الأمر إلى ابنه حمزة غادر عبد السلام ياسين الطريقة، أما اتهامه بالجنون ووضعه في مستشفى للأمراض العقلية فلم يكن مبنيا على معلومات صحيحة، فلا أظن أن الرجل قد كان حقا مريضا، مرضا عقليا. ومن خلال تقاريركم الصحيحة دائما.. متى تقوت شعبية عبد السلام ياسين وجماعته؟ تقوت مباشرة بعد اعتقاله في إطار ملف جريدة "الصبح" التي كان قد أصدرها. أما مجلة الجماعة التي كان يصدرها بداية فقد لعبت دورا مهما في استقطاب الشباب الأوائل الذين التفوا حوله حيث وجدوا ضالتهم في الأفكار التي طرحها عبد السلام ياسين في وقت لم تكن هناك حرية للتعبير عن الفكر الديني. ألم يكشف لك بنكيران عن سبب عدم التحاق مجموعته بعبد السلام ياسين، خاصة وأن هذا الأخير كان يسعى إلى توحيد صفوف الشبيبة الإسلامية بعد انفجارها تنظيميا؟ بنكيران يقول إنه كان لديهم خلاف مع عبد السلام ياسين بخصوص الصوفية.. ورأى أن الشبيبة الإسلامية تتكون أساساً من الشباب، في حين أن عبد السلام ياسين لم يكن شابا (يضحك). وبعد اعتقال عبد السلام ياسين في قضية "الصبح"، من كان يقود جماعته؟ هنا بالرباط كان يقودها فتح الله أرسلان، وكانت ابنته صحبة زوجها ينسقان بينه وبين عبد السلام ياسين، وأتذكر أنهم في أحد أيام الآحاد جمعوا أتباعهم وأرادوا التظاهر أمام سجن سلا ففرقناهم. وكانت ندية ياسين مكلفة بالإعلام الأجنبي... وسبق لك أن استنطقت ندية ياسين؟ ليس استنطاقا، فقد كنت أطلب منها أن تؤكد لي الأخبار التي تصلنا. وقد كنت في إطار عملي أشتغل مثلي مثل الصحفي.. أتأكد من الخبر بالرجوع إلى مصدره. وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه رجال الاستعلامات بسلا.. كانوا يكتبون في تقاريرهم أي خبر توصلوا به حول عبد السلام ياسين، أما أنا فلا أكتبه حتى أتأكد منه.. لقد كنت ألجأ إلى ندية ياسين التي تأتيني بصحبة زوجها عبد الله الشيباني أو إلى فتح الله أرسلان، وكانوا يقولون لي نحن لانخبئ أي شيء، نحن نعمل بوضوح، إننا ضد السرية وضد العنف. نعم، لم يكونوا يعطوني معلومات عن أمورهم التنظمية الداخلية لكن يشرحون لي مواقفهم واتصالاتهم الخارجية. وأتذكر أنني كلما كنت أسافر خلال عطلتي وأعود إلى عملي أجد أرسلان دائما في السجن.. لأن بعض المسؤولين كانوا لا يفهمون شخصيته.. ففي الحقيقة لا أرسلان ولا بنكيران والشيباني كانوا أحيانا يرفعون صوتهم أثناء الحوار معي بمكتبي، لكن في إطار الاحترام المتبادل، ولم نكن نصل إلى السب أو القذف.. نريد أن نعرف ما هي حدود الدور الأمني في توجيه مسار الإسلاميين السياسي الذي وصلوا إليه الآن؟ سأتكلم بداية عن قضية الحزب، فبنكيران حين وجد حريته في تأسيس جمعية الجماعة الإسلامية التي أصبحت حركة الإصلاح والتجديد فيما بعد أراد تأسيس حزب سياسي، وكانت مجموعته أقوى من العدل والإحسان هنا بالرباط، لكن بالدارالبيضاء كان العكس. ولما لم يتمكن بنكيران من الحصول على حزب سياسي خاص به، فكر في العمل مع حزب الاستقلال، لكن لم يحصل أي اتفاق بينهما، فلجأ إلى الدكتور الخطيب الذي كانت تجمعه علاقات قديمة بالإسلاميين. وبعد أن توصلت بالخبر أردت أن أتأكد من صحته فذهبت إلى الدكتور الخطيب وسألته إن كان سيتبنى حقيقة بنكيران ومجموعته في حزبه، فأجابني أنه اشترط عليهم العمل في إطار المشروعية وأن ينبذوا العنف ويحددوا موقفهم الواضح من الملكية وإمارة المؤمنين.. أما الحديث عن دور الداخلية في هذا الالتحاق، فهو أمر غير صحيح، فالذي قامت به الداخلية هو فقط إعطاؤهم الرخصة. والخطيب كان على اتصال قديم بالحركة الإسلامية، وحتى مجموعة التبين التي تحدثنا عنها، كان الخطيب يرسل بعض الشباب إلى إيران في إطار المشاركة في مباريات تجويد القرآن الكريم.. أما الداخلية فالأجهزة الأمنية لم تلعب أي دور في هذا الاندماج. كنت مسؤولا بالاستعلامات العامة، فكيف كانت علاقتك بالأجهزة الإستخباراتية الأخرى، خصوصا بالنسبة لهذا الملف؟ كان هناك صراع حاد بين هذه الأجهزة.. الاستعلامات العامة، الشؤون العامة (القسم التابع لوزارة الداخلية والمتفرع بالعمالات) الديستي،لا دجيد.. كنا ممنوعين منعا كليا من تبادل المعلومات، لكني خرجت عن هذا الإطار، وقلت مع نفسي إننا جميعا نعمل من أجل الوطن وضمان الاستقرار.. ورأيت أني مهما توفرت على المعطيات، فلابد أن تكون ناقصة، وتتمتها سأجدها عند الديتسي أولا دجيد. وقد كنت أتعامل مع الديستي، وحين وصل الخبر للمسؤولين سموني بالخائن، وكأني أتعامل مع الموساد أو السييا.. ومرة استدعى علابوش (مدير الديستي آنذاك) وبنهاشم (مدير الأمن الوطني آنذاك) بنكيران، وطلبا منه أن يوقف اتصاله بالخلطي، وأن يطرق بابهما إن احتاج أمرا. فأتى عندي بنكيران وأخبرني بما حدث، وقال لي إنه قد وقع لهما محضرا فقلت له استفت قلبك، إذا وجدت أنهما أرادا لك الخير فتعامل معهما، لكن إذا وجدت العكس فاستفت قلبك. أجابني قائلا : إذا أرادوا أن يعتقلوني فليفعلوا.. فذهب إليهم، وتكرفسوا عليه (الديستي)، وأخبرني أنهم كانوا يزورونه ببيته، ويدوسون زربية غرفته بأحذيتهم، ويدخنون بمكتبه.. فذهبت إلى علابوش وقلت له إنه على رجاله أن يتعاملوا بأخلاق.. أفهم أن علاقتك بعلابوش كانت جيدة؟ نعم، كان علابوش كلما احتاج معلومة متعلقة بالإسلاميين يتصل بي في بيتي، ونفس الشيء كان يفعل مساعده الحمزازي.. وبالنسبة لعلاقتك بلادجيد؟ كنت أتعاون مع أحد مسؤوليها الذي تقاعد عن العمل الآن. وقد سافرت مرة إلى فرنسا وتوسطت في عودة 3 من عناصر الشبيبة الإسلامية حيث حررت لهم رسالة طلب العفو، فأرسلوها إلى اگديرة (مستشار الملك) ووزارة الداخلية، والإدارة العامة للأمن الوطني، وبعد أن قامت لادجيد بتحقيقها تمكنوا من العودة إلى وطنهم. ما هي أسماء هؤلاء الثلاثة؟ لا داعي لذكر أسمائهم. وكنت أعرف دائما أن اليد الواحدة لا تصفق. كنت أتعاون مع جميع الأجهزة بما في ذلك قسم الشؤون العامة، فمثلا مريزق (المكلف بالشؤون الدينية بقسم الشؤون العامة بولاية الرباط) أنا من عرفته على بنكيران وإخوان آخرين.. وبنكيران كان يقول لي يجب أن تعرف بنا لدى المسؤولين، فعليهم أن يعرفوا من نحن... وكان يأتي لي بجرائده ويطلب مني أن أعطيها للمسؤولين حتى يطلعوا علىمواقفهم.. وقد ساهمت في هذا الأمر إلى أن أصبحت مواقفهم معروفة، وها أنت ترى وضعهم الآن. وبعد دخولهم إلى البرلمان زرتهم بمكتب جريدتهم والتقيت ببنكيران والرميد، وحذرتهما من الغرور ومن الدخول في الصراع مع الاتحاد الاشتراكي.. كيف حذرتهم من الاتحاد الاشتراكي؟ قلت لهم إياكم ثم إياكم من الدخول في الصراع مع الاتحاد الاشتراكي، فقد يستفزونكم ويتحينوا لكم الفرصة للإجهاز عليكم.. فأجابني بنكيران قائلا نحن لن نخاف منهم، فمادام الحسن الثاني موجودا فنحن في حمايته، وأخبرني بسر لا أدري من أخبره به. ماذا قال لك؟ أخبرني أنه يوم تقدمت الكتلة بمذكرتها المشهورة إلى الملك، قال لهم الحسن الثاني إذا لم تراجعوا مذكرتكم هذه، فسأطلق عليكم بنكيران. ورغم هذا حذرته، وقلت له إن الاتحاد الاشتراكي سيتربصون بكم إلى أن يتسببوا لكم في مشكل، وكان ما كان بعد 16 ماي، فقد استغلوها كمناسبة، وها أنت ترى أن الرميد لم يعد رئيسا للفريق النيابي، والريسوني أبعد من رئاسة الحركة.. في البداية كان يسألني بنكيران قبل أن يتخذ أي موقف عن موقف الاتحاد الاشتراكي، لكن فيما بعد أخذهم الغرور، وبدأوا يسلكون سياسة الاستفزاز.. من خلال تجربتك الأمنية الطويلة ما هي أحسن مقاربة للتعاطي مع الإسلاميين؟ حين ذهبت إلى فرنسا من أجل التكوين في سنة 1977 أوضحوا لنا أن أفضل وسيلة لمحاربة التطرف هي الديمقراطية. إذا أردنا أن نحمي بلدنا من التطرف الديني، فيجب أن يتم ترسيخ وتوسيع دائرة الديمقراطية سياسيا واجتماعيا، وضمان قضاء نزيه ومستقل، وتوسيع دائرة الديمقراطية لتشمل رجال الأمن ويصبح بإمكانهم من جديد الحق في الانخراط في الأحزاب والنقابات.. وأشير بهذا الصدد أني لما ولجت إلى صفوف الأمن الوطني سنة 1957 وجدت أن للشرطة نقابة تابعة للنقابة الفرنسية (الكنفدرالية العامة للشغل)، لكن حين تم تعيين الجنرال أوفقير مديرا للأمن الوطني أصدر قرارا يمنع من خلاله انخراط رجال الشرطة في الأحزاب والنقابات والجمعيات. فكيف يمكن للشرطي أن يحترم حقوق الناس وحقوقه مهضومة.. إذن تجربتك أوضحت أن المعالجة الأمنية لوحدها لا تكفي؟ نعم إذا كانت أحداث 11 شتنبر قد ارتكبت من طرف شباب مثقف بسبب ما يجري في العراق وفلسطين، فأسباب وجود التطرف بالمغرب يعود أساسا إلى غياب العدل وتفشي الفساد الذي يغض عنه الطرف.. وأظن أنه إذا توفرت العدالة، ووزعت الثروات، ووجد حل للبطالة.. والملك محمد السادس قد انتبه لهذا الأمر، وأعطى جلالته توجيهاته لانطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.. وقد رأيت منذ توليته ماذا كانوا يسميه الناس.. ملك الفقراء.. وهذا معناه أن الملك عرف مكمن الداء، إنها المسألة الاجتماعية والديمقراطية. وإذا كانت الديمقراطية فإنك لا تفسح مجالا لمزايدات الآخرين، فانظر إلى بنكيران حين دخل إلى العمل من داخل المؤسسات.. لم تعد لديه مزايدات.. أما المعالجة الأمنية لوحدها وطريق الاعتقالات فإنها لا تؤدي إلى نتيجة.. فالعنف لا يؤدي إلا إلى التطرف. وقبل أن أختم أود أن ألفت نظر قراء جريدتكم إلى مسألة أساسية، وهي ألا يخامرهم أدنى شك بكون الأشخاص الذين ذكرتهم يعتبرون مخبرين لأجهزة الأمن الاستخباراتية، بل يجب أن يتيقنوا بكونهم فضلاء غيورين على وطنهم، يريدون أن تكون السلطة في خدمة الشعب وحمايته، لا لقمعه وسلبه ماله عن طريق الرشاوي. ويرون في الخلطي الإنسان البسيط المتواضع، ويسعون إلى مساعدته بالنصح للسير في الطريق المستقيم.



الأربعاء، 6 يناير 2021

السفارة الأمريكية واغتيال عمر بنجلون

 السفارة الأمريكية واغتيال عمر بنجلون

نشر في التجديد يوم 01 - 05 - 2008


برقية رقم RABAT06158مرسلة من السفارة الأمريكية إلى وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن بتاريخ تاسع عشر دجنبر1975. الموضوع : اغتيال شخصية معارضة بارزة. 1 ـ اغتيل في الدار البيضاء بعد ظهر يوم 18 ديسمبر، وفقا لوكالة الأنباء الرسمية المغرب العربي، عمر بن جلون العضو القيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ورئيس تحرير جريدة الحزبالمحرر ، وقد ضرب عمر بن جلون حتى الموت بقضيب من حديد ،أمام بيته ، من قبل صانع أحذية يدعي سعد محمد الذي اعتقل على الفور. والدافع غير معروف بعد وفق ما نشرته وكالة أنباء المغرب العربي. والتحقيقات جارية بكل فعالية. 2 ـ وقد كان بن جلون مناضلا معارضا نزيها ذو مصداقية لا تشوبها شائبة، مه ما عرف عنه من بعض اللين مؤخرا . وكان بنجلون قد سجن بسبب نشاطه السياسة خلال الفترات من 1963 إلى 1965 و1966 إلى1967. وفي يناير 1973 كان قد نجا من محاولة اغتيال غير ناجحة بطرد ملغوم أرسله جناة مازالوا غير معروفين.وقد سجن مرة أخرى في اضطرابات مارس 973. وأفرج عنه آخر مرة في سبتمبر 1974. واستمر بن جلون بعد ذلك في نقده الشرس لمعظم سياسات النظام ولكنه كان يؤيد بقوة جهود الحكومة من أجل ضم الصحراء الغربية. مع أن قيادات الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية قد كان غيابها عن مسيرة الصحراء الأخيرة واضحا. موقفه من الصحراء و بالخصوص ملاحظاته في نوفمبر على النقاش بين محامين إسبان جزائريين في باريس ، استحق علها لقب المعارض المتحذلق والمزور ولاعق الأحذية من طرف وسائل الإعلام الجزائرية. 3 ـ تغطية حادثة القتل تواصلت سواء من الصحافة الشبه رسمية أو المعارضة، دون أي إشارة من جهة أخرى إلى أن الحادثة سوف يعتبر قضية سياسية. وفي تقريرها الأكثر تفصيلا عن الحادث؛ قالت المحرر إن الجاني استخدم سكينا وكان معه اثنان من المرافقين فشوهدا وهما يلوذان بالفرار. واشارت الصحيفة إلى أن سعد محمد كان سليم العقل ومدربا على مثل هذه الجريمة. بعد أن اتجهت بعض الروايات إلى محاولة الادعاء بأن سبب الجريمة هو الجنون فيم رجح تقرير الصحيفة أن القتل قد تم عن عمد وسبق ترصد دون الذهاب إلى حد الاتهام الصريح. معظم وليس كل المراقبين يستبعدون فكرة تورط أجهزة الأمن السري حيث القول بذلك سيكون غير معقول وخطرا. وهناك من يرى احتمال وجود أيد جزائرية بسبب مساندة بن جلون للسياسية الحكومية حول الصحراء وانتقاداته غير المعهودة والمحرجة للموقف الجزائري.


اغتيال عمر بنجلون... جريمة سياسية نفذت بأدوات دينية

 اغتيال عمر بنجلون... جريمة سياسية نفذت بأدوات دينية


لقد مرت 36 سنة، على استشهاد المناضل الرمز وشهيد الصحافة الاتحادية عمر بنجلون، ففي مثل هذا اليوم 18 دجنبر 1975، وعلى الساعة الثالثة وعشر دقائق بعد الزوال، امتدت أيادي الإجرام والظلام و نفذت الجريمة الشنعاء، باغتيال الشهيد عمر بنجلون أمام باب سيارته الواقفة بباب منزله، حيث فاجأته الأيادي الآثمة بضربة قوية بقضيب حديدي, تلتها طعنة في الصدر ثم طعنة في الظهر. كان اغتيال عمر بن جلون عملا إرهابيا خططت له عدة أجهزة، ونفذه تلاميذ الظلام ومحترفو العماء الإيدلوجي، ينتمون لحركة الشبيبة الإسلامية المغربية، التي كان ينتمي إليها بعض قادة العدالة والتنمية، وعرابهم الراحل الدكتور عبد الكريم الخطيب. كان اغتيال بنجلون يستهدف قتل الفكر الاتحادي وإطفاء الشعلة النضالية التي فجرها الوضوح الفكري والسياسي كما رسمه عمر ورفاقه في الحزب، وكان قرار القتل جاهزا، وفي كل مرة كان الإخراج يتغير. ولما لم يفلح الإعدام القضائي والطرد الملغوم، جاء الإعدام بيد الإرهاب الفكري المتلبس بالدوغمائية العقائدية. بعد الحدث الارهابي- الطعنة الغادرة، سيتم القبض على منفذي الجريمة يوم 22 دجنبر 1975، واستمعت الضابطة القضائية الى أحد المجرمين الذي ألقي عليه القبض من طرف أحد المارة ورجل أمن، الذي كان بالصدفة متجها إلى عمله.
قال المرحوم مصطفى القرشاوي في تصريح للشرطة بتاريخ 23 دجنبر 1975 بعد اغتيال عمر بن جلون، أن عبد الكريم مطيع زاره في نهاية شهر نونبر 1974 بعد الإفراج عن القرشاوي بشهرين أو ثلاثة، وكان بمعية صديقين آخرين، وخلال هذا اللقاء انتقد مطيع التوجه الاشتراكي للحزب وسياسته انتقادا حادا، وما كان من القرشاوي إلا أن رد عليه، وسرعان ما تكهرب الجو عندما بدأ مطيع يكيل النعوت الجارحة في حق بعض القادة الاتحاديين، ووجه تهديدات مبطنة إلى قادة الاتحاد، كما أن مطيع، قال للقرشاوي أن اليوم الذي ستتم فيه تصفية عناصر قيادية لحزبنا، قادم لامحالة، ولما سأله وإن كان يتحدث باسمه الخاص أو باسم تنظيم معين، أجابه "افهمهما كيفما بغيت". لاحقا تمكن المدعو عبد الكريم مطيع خلال نفس الفترة من الهروب خارج الوطن رغم أن إسمه كان يتداول داخل المحكمة كمتهم رئيسي، واستقر في وقت سابق في ليبيا.
تمت احالة الجناة على غرفة التحقيق لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بتاريخ 24 دجنبر 1975. عدد الجناة 14 ,منهم 3 متهمين في حالة فرار. وسيتم تأخير انطلاق المحاكمة وإتلاف مجموعة من الوثائق المهمة في الملف. بعد اغتيال عمر بنجلون مباشرة علمت قيادة الحزب أن عمر كان قد صرح لأحد رفاقه أنه تلقى إشعارا منذ ربيع تلك السنة التي اغتيل فيها، من شخص مجهول، (ولعله من خارج المغرب...ربما من المشرق العربي)، يخبره بأن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مستهدف ككل، وبصفة خاصة عمر بنجلون، كما أن الشهيد حينما كان يتابع مداولات المحكمة الدولية حول الصحراء بلاهاي، سمع تهديدات استفزازية من مصدر معلوم....(جريدة المحرر 15 أبريل 1976). الا أنه بعد تاريخ 7-8 يناير 1976 وبعد أن قدمت بعض الوثائق الى قاضي التحقيق استغرب الجميع من اختفائها، بحيث أن الوثائق المختفية تعتبر منطلقا من المنطلقات الأساسية للوصول الى الحقيقة. وسيعترف عميل الكاب 1 أحمد البخاري بأن عناصر في الإستخبارات نسجت فعلا علاقات مع متطرفين لتنفيذ جريمة اغتيال عمر بنجلون، ليتضح أنها كانت جريمة سياسية نفذت بأدوات دينية.
وللتذكير فقد تم إلقاء القبض على المتهم المسمى عبد العزيز النعماني في شمال المغرب، ونشرت جريدة "المحرر" خبرا عن ذلك بتاريخ 16 يناير 1977، دون أن يصدر أي تكذيب لهذا الخبر من طرف السلطات المختصة المغربية. وفي 22 يونيو 1979، انطلقت محاكمة المتهمين وطيلة هذه المدة تعاقب على التحقيق ثلاثة قضاة، واختفاء مجموعة من الوثائق من ملف القضية التي تتعلق بالمتهم ابراهيم كمال، بعد الاحتجاج والمطالبة بالوثائق من طرف الدفاع.
أصدر عميد قضاة التحقيق قرارا بتاريخ 25 يونيو 1979، يقضي بعدم فتح تحقيق حول موضوع اختفاء الوثائق تلاه قرار لغرفة الاستئناف يوم 29 نونبر 1979، يؤيد عدم فتح تحقيق حول عملية الاختفاء، بعد أن استأنف دفاع المطالبين بالحق المدني قرار قاضي التحقيق. في 12 دجنبر 1979 كتبت جريدة "المحرر" مقالا مرفقا بصورة للمتهمين عنونته ب: "هؤلاء هم منفذو جريمة اغتيال الشهيد عمر بنجلون.. فأين مدبروها؟ "ثم طالب الطرف المدني بإيقاف النظر في القضية إلى أن يتم إرجاع الوثائق المختلسة, إضافة إلى تقديم المتهم عبد العزيز النعماني والتحقيق معه وإصدار أمر دولي بإلقاء القبض على عبد الكريم مطيع ومطالبة السعودية بتسليمه. يوم 14 فبراير 1980 أعلن المجلس الأعلى رفضه طلب دفاع الطرف المدني. في 15 شتنبر 1980 طالب دفاع الطرف المدني باستدعاء مجموعة من الشهود كما طالب الاستماع إلى شهادة الكاتب الأول للحزب المرحوم عبد الرحيم بوعبيد, الذي كان سيفيد المحكمة بمصادر علمه باعتقال عبد العزيز النعماني من طرف شرطة الحدود بسبتة. المحكمة رفضت هذه الطلبات ودفاع المطالبين بالحق المدني ينسحب من المحكمة. أما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فقد أصدر بيانا صحفيا شرح فيه أسباب الانسحاب بتاريخ 19 شتنبر 1980 جاء فيه: أن المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي يندد بالمحاكمة، ويعتبر ملف اغتيال الشهيد عمر بنجلون مازال مفتوحا، وان المحاكمة صورية واقتصرت على المنفذين للمؤامرة دون الرؤوس المدبرة لها. وبعد عدة سنوات من جريمة الاغتيال أوضحت الحركة الإسلامية المغربية التي يتزعمها عبد الكريم مطيع أن عبد العزيز النعماني هو من أتباع الدكتور عبد الكريم الخطيب (مؤسس العدالة والتنمية)، مشيرة إلى أنه لطالما تدخل قبل الحادثة لإبعاد بعض المضايقات عن عبد العزيز النعماني أو تقديم بعض الخدمات له، وبهذا الربط تكون الدولة في شخص عبد الكريم الخطيب هي المسؤولة عن هذا الاغتيال، علما أن الخطيب هو من تدخل لدى الأجهزة لفائدة مطيع حتى تتمكن السلطات الحدودية من تركه يغادر المغرب سرا، حيث كانت له علاقات عائلية مع المخزن وعرف كيف يوظفها. كما أن الحركة أكدت أنه تحت جناح الخطيب اختبأ النعماني في المغرب حوالي سنتين آمنا مطمئنا، بل طالبا في معهد تكوين المدرسين بمكناس. وأضافت أنه تحت مسؤولية الدولة أتلف الخطيب وثائق التحقيق من المحكمة وأصولها في مراكز الشرطة، واعتقل النعماني ثم أطلق سراحه ثم سافر إلى الخارج، وأيضا استمر الإتصال والتوجيه قائما بين النعماني والخطيب في أوربا... وحسب ما جاء في وثيقة لهيئة الإنصاف والمصالحة التي شكلها العاهل المغربي الملك محمد السادس نهاية 2003 وأنهت مهمتها في سنة 2005 ، فإن ما توفر لها من وثائق وقرائن يثبت تورط جهاز أمني سري في عملية الاغتيال ومسؤولية الدولة عن ذلك. وأكدت الهيئة حسب الوثيقة والتي نشر البعض منها في جريدة "الحياة" في يوليوز 2008 ، مسؤولية الدولة المغربية ومخابراتها في الاغتيال من خلال "الدور الهام الذي لعبه عبد العزيز النعماني في عملية الإغتيال وعدم تقديمه للعدالة رغم ابلاغ الملك الراحل الحسن الثاني لزعيم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الفقيد عبد الرحيم بوعبيد بمسؤولية النعماني الذي بقي داخل المغرب لفترة طويلة بعد الإغتيال ". وكان سبب عدم تسليم النعماني هو إخفاء تورط الدولة في عملية الإغتيال. كما أن حسن عبد الرحمان بكير, الأمين العام للشبيبة الإسلامية المغربية اتهم الدكتور عبد الكريم الخطيب (أول أمين عام لحزب العدالة والتنمية بالمغرب) في قضية اغتيال عمر بنجلون، ويضيف "أن النعماني من أتباع الخطيب، وكان يأتمر بأمره في المغرب، وبعدها انتقل إلى أوربا بجواز سفر مزور"، ويضيف بكير "أن خلية الإغتيالات السياسية في المغرب منذ الإستقلال كان يسيرها الأمن تحت إشراف وتوجيه من لجنة عليا على رأسها الدكتور الخطيب، وهي التي نسقت اغتيال قادة جيش التحرير...". وفي هذه القضية كان الخطيب هو من توسط لتوكيل محام من مصر للدفاع عن المتهمين أمام المحاكم بعد أن رفض المحامون المغاربة الدفاع عنهم. وأثناء محاكمة المتهمين بتنفيذ الجريمة، نظم عبد الإله بنكيران رفقة عبد الله باها، ومحمد يتيم وآخرون مسيرة من المسجد المحمدي بالدارالبيضاء، مطالبين بإطلاق سراح المعتقلين وعودة عبد الكريم مطيع (الفار إلى السعودية أنذاك).
ومن جهة أخرى, فقد كشف عبد الكريم الخطيب نفسه عن معطيات حول حادث الإغتيال حيث قال, إنه التقى مرتين بعبد الكريم مطيع زعيم الشبيبة الإسلامية المتهم بالوقوف وراء جريمة الإغتيال، في هذا السياق قال إن المرة الأولى كانت عندما توسط له لدى وزارة التعليم كي لا يتم تنقيله إلى مدينة بعيدة، أما الثانية فكانت يوم حادث الإغتيال الذي تزامن مع تنظيم مؤتمر الشبيبة الدستورية، وكان يريد أن يلقي كلمة في هذا المؤتمر. لكن المفاجأة كانت أن مطيع لم يلق الكلمة وإنما أخبره بأن عمر بنجلون تم اغتياله، وفيما بعد توصل الخطيب بنبأ مغادرة مطيع للتراب المغربي عبر مدينة سبتة, ويضيف الخطيب, بعد شيوع خبر الإغتيال استدعي من طرف الملك الراحل الحسن الثاني وقال له: "إن اسمك مذكور في ملف عمر بنجلون ".
الطرد الملغوم
لقد مرت 38 سنة على توصل عمر بنجلون بطرد ملغوم في ليلة عيد الأضحى من يوم 13 يناير 1973 ، حيث طرق ساع خاص باب منزله بشارع "كامي دي مولان" الذي أصبح يحمل اسم" المسيرة الخضراء" ، وبعد تسلمه طردا من الورق المقوى، ارتاب في أمره بعدما لاحظ أنه لا يحمل اسم المرسل، فاكتشف أن الطرد ملغوم ورمى به إلى الحديقة بعد أن أبطل مفعوله. كانت تجربته في قطاع بريد المغرب جعلته يتريث لوجود أشياء وضعت بشكل غريب داخل الطرد، كانت شبكة خيوط عبارة عن قنبلة وضعت بإحكام داخل الظرف لتنفجر مباشرة بعد فتحه. محاولة اغتيال عمر بن جلون كانت من أجل إخراسه إلى الأبد وقتل الفكر الذي يحمله. و كان رفيقه في النضال الأستاذ محمد اليازغي قد تلقى في نفس صبيحة ذلك اليوم طردا مماثلا انفجر في وجهه فمزق أحشاءه وتسبب له في عجز دائم في سمعه، وفي عاهة مستديمة في أصابع يده اليسرى.
من هو عمر بنجلون؟
لقد مرت 77 سنة على ميلاده، عمر بنجلون رجل النكتة، المناضل الشجاع، ذو القدرة الكبيرة على العمل، الرجل الذي واجه أحكام الإعدام وتهجمات الخصوم السياسيين والنقابيين وعنف المخزن وعذاب المعتقل السري, دار المقري ودرب مولاي الشريف وغيرها من المعتقلات السرية الأخرى التي كانت في ذلك الزمان المظلم.
عمر بنجلون فتح عينيه سنة 1934 في قرية بركم بعين بني مطهر نواحي مدينة وجدة، تلقى دراسته الابتدائية والثانوية في مسقط رأسه, ثم في وجدة, إلى أن حصل على القسم الثاني من البكالوريا. التحق بالتنظيمات الحزبية للشبيبة المدرسية بوجدة. في أكتوبر 1955 وقف الى جانب ثلة من أصدقائه لإبلاغ احتجاجهم الى المسؤول الفرنسي عن بعض التصرفات وطرح مطالبهم عليه. سافر إلى باريس حيث تابع دراسته العليا فحصل على الليسانس في الحقوق، ثم دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، وبعدهما دبلوم المدرسة العليا للبريد, حيث نال الدرجة الأولى في فوج المتخرجين لسنة 1959-1960. عرفه المغاربة في باريس طيلة إقامته بها شابا مناضلا لا يفتر عن العمل من أجل خدمة المبادئ التقدمية، وكان أحد المدافعين عن أفكار ومبادئ الاتحاد في وسط الطلاب والعمال المغاربة في باريس، وأصبح مسؤولا عن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب الذي كان عضوا عاملا في لجنته الإدارية الوطنية, كما انتخب رئيسا لجمعية الطلبة المسلمين لشمال افريقيا التي ظل رئيسا شرفيا لها. وبصفته رئيسا لهذه الجمعية، ناضل نضالا فائقا لصالح الثورة الجزائرية، أثناء كفاح الشعب الجزائري من أجل الاستقلال، بعد التحاقه بالمغرب عين مديرا إقليميا للبريد بالنيابة في الدار البيضاء، ثم مديرا إقليميا في الرباط, حيث عرفه عمال وموظفو البريد مناضلا نقابيا بينهم يتحمل الجزء الأكبر في تنظيمهم ووعيهم وفي قيادة كفاحهم من أجل تحقيق مطامح الطبقة العاملة ، ليقدم استقالته بعد مدة من عمله. وبشكل عام شارك إلى جانب مهماته السياسية بنشاط وحماس في خدمة قضايا الطبقة العاملة ولعب دورا مهما في التوعية للعمال, حيث كان أبرز المؤطرين، وهو ما أزعج قيادة نقابة (المحجوب بن الصديق) من توعية العمال داخل الاتحاد المغربي للشغل بوضعهم وحقوقهم، ولعب أيضا دورا رئيسيا أثناء الاستعدادات لإضراب الموظفين الشهير في يوليوز 1961، ثم في إضراب البريد في دجنبر من نفس السنة، حيث اختطف في الساعة الأولى ليلا بعد بدء الإضراب العام لجامعة البريد يوم 20 دجنبر 1961. وفي هذا الصدد يذكرنا الشهيد عمر بنجلون عن الهدف من انتفاضة 25 يناير 1959 على حزب الاستقلال، بقوله:"... جعل التيار الشعبي للانتفاضة حزبا تقدميا منظما، لكن الأحداث ستؤكد أن الجهاز النقابي كان يرى في الحزب مجرد واجهة سياسية".
لقد تعرض عمر بنجلون من جراء عمله النضالي والنقابي للعديد من المضايقات والإيذاءات المختلفة، وأودع في معتقلات سرية عدة مرات وفي عدة سجون. في 16 ماي 1963 ليلة إجراء الانتخابات التشريعية وقع نقاش حاد داخل الحزب، هناك من كان يدعو إلى المشاركة في الانتخابات التشريعية باعتبارها واجهة نضالية وعلى رأسها المهدي بنبركة، وهناك من رفض المشاركة نظرا لتدخلات الأجهزة الإدارية في التزوير وعلى رأسها عمر بنجلون. وبعد نقاش وتدخلات جميع المناضلين وقع الاحتكام الى التصويت فكانت الأغلبية تؤيد المشاركة، فقدم المهدي بنبركة لعمر بنجلون الخطوط الرئيسية والأساسية لصياغة وتحرير القرار الذي اتخذته الأغلبية لنشره في جريدة "التحرير". وبعد نشره تأثر المهدي بنبركة بعد اطلاعه على البيان المنشور، وقال لو قمت بتحريره، انا الذي كنت في مقدمة أنصاره المتحمسين، لما أتى بهذه الحرارة التي بثها فيه عمر بنجلون، والذي كان في مقدمة معارضيه جملة وتفصيلا، وبعد شهرين على هذا النقاش النضالي الديمقراطي، سيتم اعتقال عمر بنجلون يوم 16 يوليوز 1963 في حملة الاعتقالات الواسعة التي تعرض لها مناضلو الاتحاد من داخل مقر الحزب، حيث كان اجتماع لأعضاء اللجنة المركزية من أجل الإعلان عن قرار مقاطعة الإنتخابات الجماعية التي كانت ستنظم في المغرب، وذلك احتجاجا على الخروقات والتزوير وتدخل الدولة في استحقاقات ماي 1963. أثناء تفتيش منزل عمر بنجلون، قيل أن البوليس وجد وثائق تهم تصميما لشبكة الهاتف داخل القصر الملكي، اعتبرته الأجهزة الأمنية حينها صيدا ثمينا، ودليلا على مؤامرة تستهدف القصر.
كان الجنرال أوفقير يحضر بنفسه جلسات تعذيبه في صيف 1963 بدار المقري، وحكم عليه بالإعدام يوم 14 مارس 1964 من طرف المحكمة الجنائية بالرباط ، وقد استبدل حكم الإعدام يوم 20 غشت 1964 بالسجن المؤبد وذلك بمناسبة الذكرى 11 لثورة الملك والشعب، وبتاريخ 14 أبريل 1965 سيتم إطلاق سراحه، ثم سيختطف في نفس السنة وبقي في السجن مدة عام ونصف، حيث أثناء محاكمته انتفض عمر بنجلون داخل قاعة المحكمة ونعت القضاة بالمخازنية ديال الدولة، فما كان من القاضي إلا أن أضاف سنة حبسا كاملة في حقه، وسيتعرض للإعتقال مرة أخرى في مارس 1966 ويحكم عليه لمدة سنة بعد متابعته بتهمة توزيع منشورات،حيث قال أمام الهيأة القضائية المكلفة بالنظر في ملفه: "إنكم مثل رجال القوات المساعدة الذين ينفذون الأوامر". أفرج عنه يوم 21 شتنبر 1967. عاد للمحكمة مجددا لكن هذه المرة كمحام للدفاع عن معتقلي الاتحاد في محاكمة مراكش، في أعقاب إصدار اللجنة المركزية للحزب قرارا بمقاطعة انتخابات أكتوبر 1969. عمر بنجلون هو من حرر المذكرة التنظيمية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1965 مباشرة بعد خروجه من السجن، وأبدع فيها وظلت هي المرجع التنظيمي للحزب لعدة سنوات. وكان المنظر لتأسيس النقابة الوطنية للتعليم سنة 1966، انضم الى هيئة المحامين بداية السبعينات، في سنة 1971 تعرف بمعتقل دار المقري على عدة جلادين، في سنة 1972 تولى ادارة تحرير صحيفة "المحرر" التي كانت تنقل ما يجري في المغرب وكان يحرر افتتاحيات الجريدة, وهو الذي حرر الوثائق التي ارتكزت عليها قرارات 30 يوليوز للاتحاد سنة 1972، ولعب دورا هاما في ذلك الإجتماع، كما حرر التقرير الإيديولوجي للمؤتمر الاستثنائي في يناير 1975 بعد خروجه من السجن، و لعب دورا رياديا في الإعداد للمؤتمر الاستثنائي، وهو الذي وضع الأسس لتأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل.اعتقل عمر بن جلون ورفاقه يوم الجمعة 9 مارس 1973، وأطلق سراحه في 26 غشت 1974 بعدما أعلنت المحكمة العسكرية براءته، ورغم ذلك لم يطلق سراحه واقتيد إلى أحد المعتقلات السرية. اتهم باستقباله أسلحة من أجل تنفيذ الانقلاب المزعوم والسيطرة على الحكم واغتيال الملك. تعرض لأشد أنواع التعذيب قهرا وتأثيرا على البدن والنفس بدرب مولاي الشريف والسجن المركزي بالقنيطرة، وبعرض البحر مرارا وتكرارا لانتزاع اعترافات منه? بعد استئناف صدور جريدة "المحرر" كيومية منذ 23 نونبر 1974 تحمل عمر بنجلون مسؤولية إدارة "المحرر" مرة ثانية، انتخب عضوا في المكتب السياسي للإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية في المؤتمر الاستثنائي في يناير 1975.
رسالة عمر بنجلون
إلى المحجوب بن الصديق
لقد مرت 48 سنة على الرسالة المطولة التي بعثها عمر بنجلون إلى المحجوب بن الصديق في يناير 1963 ,يستعرض فيها المحنة التي تعرض لها على يد عصابة تابعة للجهاز النقابي التي منعته من الدخول إلى قاعة الأفراح يوم انعقاد المؤتمر الثالث للاتحاد المغربي للشغل. ولهذا نستعرض جزءا من هذه الرسالة التي يقول فيها عمر بنجلون:
"الأخ المحجوب، الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل.. للمرة الثانية، يتم اختطافي وتعذيبي في أحد الأقبية. الأولى وقعت يوم 20 دجنبر 1961 على الساعة الواحدة والنصف صباحا. كان ذلك بمناسبة الإضراب العام الذي قررته فيدراليتنا الوطنية للبريد، إضرابا كان ناجحا باهرا للاتحاد المغربي للشغل، كما عنونت جريدة »الطليعة«. اختطفت من طرف عصابة خاصة تابعة للسلطة الفيودالية، هذه الأخيرة قررت تنفيذ العملية عندما اقتنعت بأن الإضراب فعلي. كان لابد لها من مسؤول. لتمارس عليه انتقامها الأخرق. وكان لي شرف هذا الاختيار, أقول شرف, لأن قناعتي الراسخة هي أن الطبقة العاملة تشكل الطليعة الطبيعية في الكفاح الفعلي والملموس الذي يجب ان يخاض ضد الفيودالية والبورجوازية والإمبريالية. وهذه المرة، لا أستطيع للأسف، أن أتحدث (تماما) عن شرف، فباسم الطبقة العاملة تعرضت في واضحة النهار للاستفزاز من طرف مسؤولين في الاتحاد المغربي للشغل، أمام أنظار حراس الاتحاد المغربي للشغل وحياد متواطئ من طرف الشرطة، وتعرضت للضرب واللكم ونقلت إلى قبو, تعرضت في ظرف 12 ساعة لثلاث حصص من التعذيب تجاوزت وحشية ما تعرضت له السنة الماضية، لأن الأمر في المرة الاولى كان مجرد تهديد. تصرف أخرق كذلك أصر على أن أحكي تفاصيله. أتوجه إليك بصفتك الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل الذي أنا أحد مناضليه، كما أنني أحد مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي أنت أحد قادته الذين رسموا »توجهه وعقيدته«. إسمح لي أن أعتبر بأن الأمر يتعلق بخطأ آخر يرتكب باسم الاتحاد المغربي للشغل والطبقة العاملة. وأن أذكرك بالأسباب العميقة التي تقف في رأيي وراء كل هذه الأخطاء. كل هذا التعبير عن »متمنيات« فيما يخص المستقبل (الذي يهمني بالمقام الأول). اسمح لي أن أواصل الإعتقاد بأنك لم تشك أبدا في رغبتي الصادقة في خدمة الطبقة العاملة. طليعة الطبقات الشعبية في كفاحها ضد استغلال الفيودالية الاستعمارية. اسمح لي أيضا أن آمل أنك سترى في هذه الرسالة، تعبيرا عن الألم الذي أحسه لأنني قدمت وعوملت كعدو للطبقة العاملة. واسمح لي أخيرا أن أعتبر أن الصمت في مثل هذه الظروف، سيكون خدمة موضوعية تقدم للنظام الفيودالي، الذي استفاد من الصمت الذي أحاط منذ زمن بعيد بالأخطاء المتراكمة......".


في الذكرى 34 لاغتياله : تفاصيل الجريمة التي راح ضحيتها الشهيد عمر بن جلون

  في الذكرى 34 لاغتياله : تفاصيل الجريمة التي راح ضحيتها الشهيد عمر بن جلون في الذكرى 34 لاغتياله : تفاصيل الجريمة التي راح ضحيتها الشهيد عم...