الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
تقديم
التقرير الإيديولوجي
نص الكلمة التي قدم بها
الشهيد عمر بنجلون
التقرير الإيديولوجي في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الاستثنائي.
الدار البيضاء 10-11-12 يناير 1975
أيتها الأخوات، أيها الإخوان، إن القرار بتحضير و عقد هذا المؤتمر الاستثنائي، كان تعبيرا عن اختيار جوهري و شامل. فبالرغم من القيود المفروضة على حزبنا، و من وجود مئات من المناضلين في المعتقلات المعروفة و المجهولة، قرر الاتحاديون بصفة جماعية استئناف العمل على تطبيق القرارات و الاختيارات التي سبق أن حددوها قبل حوادث مارس 1973. و كانت الأعمال التحضيرية لهذا المؤتمر، انطلاقة فعلية في عملية توضيحية شاملة في المجال الإيديولوجي، و السياسي و التنظيمي، و يمكننا بكل اعتزاز أن نؤكد :
بأن جميع المشاريع المطروحة على المؤتمر كانت ثمرة العمل الجماعي و النقاش الديمقراطي على مستوى القيادة و القاعدة.
و بأن المؤتمرين ليس فقط منتدبين من القاعدة على أساس مقاييس نوقشت و حددت، و طبقت بصفة ديمقراطية، و إنما هم المعبرون عن آراء و ملاحظات جماعية كلفوا بتبليغها.
و بأن مشروع التقرير المذهبي، الذي يحدد إطار استراتيجية الاتحاد و اختياراته الجوهرية، كان موضع نقاش في القاعدة منذ شهر. يمكننا أن نؤكد بكل اعتزاز أن هذا المؤتمر، بالرغم من أنه مؤتمرا مؤتمر استثنائي حضر و عقد في ظروف استثنائية، هو مؤتمر القاعدة الاتحادية كلها، مؤتمر المناضلين الأوفياء كلهم، مؤتمر المناضلين الشاعرين بمسؤولياتهم التاريخية، مؤتمر استمرار حركة التحرير الشعبية ببلادنا. إلا أن الاستمرار لا يعني الجمود في التفكير و الأساليب، انه استمرار النضال و جدلية النضال، في ظروف اقتصادية و اجتماعية و سياسية في تغيير دائم. و القوات الاجتماعية المتصارعة هي نفسها تغيير دائم مع ما يترتب عن ذلك من تقلبات في أشكال و ميادين الصراع اجتماعيا، و سياسيا، و إيديولوجيا. إن الاتحاد الذي يعيش الصراع، بل و يشكل محور الصراع عاش منذ تأسيسه تغييرات جذرية من حيث قاعدته الاجتماعية، و تنظيماته، و اختياراته المذهبية، و هذا إن على شيء، فإنما يدل على أن الاتحاد يشكل تجسيدا حيا للتطورات التي طرأت على المجتمع المغربي، و على مطامع الجماهير الشعبية من عمال، و فلاحين، و حرفيين، و مثقفين. و إذا كانت هناك تناقضات مازال الاتحاد يحملها في صفوفه، فإننا نعتز بها، لأنها تناقضات تحملها حركة تاريخية غير مختلقة، حركة تضمن استمرار و تقوية النضال التحريري الذي يخوضه شعبنا منذ 70 سنة، حركة يحضر مؤتمرها الفلاح الذي قاوم توغل جيوش الاحتلال في الربع الأول من القرن، و العامل الذي حمل السلاح للإطاحة بنظام الحماية، و الشباب الذي يناضل الآن من أجل التحرير و البناء الاشتراكي. فالذي يجمع بين هؤلاء، ليس مجرد اندفاع عاطفي، و لا مجرد وفاء لماضي قريب أو بعيد. إن الذي يجمع بينهم هو النضال الملموس الذي لا يتحقق بالكلام و الشعارات، و إنما بالتعبئة مع قبول كل التضحيات التي يقتضيها النضال الفعلي الملموس. إن الذي يجمع بين هؤلاء المناضلين، هو استمرار المسلسل الثوري الذي فجرته الجماهير، و الذي تم إجهاضه و تحريفه بحلول الاستعمار الجديد سنة 1956. إن الذي يجمع بينهم هو فكر و عزيمة مشتركة على أسس ثلاثة : 1- إرادة تصفية الهياكل الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية الشبه الاستعمارية التي أطلق عليها لقب "التخلف". 2- الوعي بأن تصفية هذه الهياكل لا يمكن أن تتم إلا بالحل الاشتراكي، هذا الحل الذي لا يمكن أن يطبق إلا بالاعتماد على الجماهير، و بالتالي لا يمكن أن يطبق إلا بالتصميم الاشتراكي مع ما يقتضيه من مؤسسات ديمقراطية شعبية تحدد الاختيارات، و تسهر على تنفيذها بتعبئة الجماهير، و بجهاز دولة خاضع لارادة الجماهير على المستوى المحلي، و الجهوي، و الوطني. 3- بلورة هذه الإرادة و هذا الوعي في تنظيمات حزبية فعالة، قادرة على تعبئة الجماهير، تعيش و تنمو بممارسة مبدأ المركزية الديمقراطية و بكيفية تجعل منها أداة لتحقيق الأهداف، و كذلك نموذجا و مثالا للمجتمع الذي نعمل من أجل تشييده ببلادنا. هذه هي المنطلقات التي تجمع بين المناضلين بمختلف أصنافهم و سنهم. هذا الاتجاه هو الذي يعبر عنه مشروع التقرير المذهبي الذي ناقشته القاعدة منذ شهر، و تعبر عنه استراتيجية الاتحاد في المرحلة الراهنة، و تعبر عنه التغيرات المقترح إدخالها على القانون الأساسي للاتحاد و التطورات التي عرفتها تنظيمات الاتحاد، و تعبر عنه كذلك مختلف التقارير الفرعية المعروضة على لجان المؤتمر و التي تطرح الحلول كما يراها الاتحاد في المدى القريب، في الميدان الاقتصادي و الاجتماعي و الفلاحي، في ميدان الثقافة و التعليم و الشباب.
أيتها الأخوات، أيها الإخوان، نعم، إن تحضير وعقد مؤتمرنا هذا، يشكلان انطلاقة حاسمة في عملية توضيحية تشمل جميع مجالات حياة شعبنا. عملية توضيحية شاملة تضع حدا لكثير من التساؤلات و تحبط كثيرا من مناورات التزييف و التضليل في هذا الظرف الدقيق الذي يعيشه شعبنا المهدد بالمجاعة في الشهور القليلة المقبلة، و الذي لم يبق لديه إلا الدعاء من أجل المطر. و في إطار هذه العملية التوضيحية، حررت اللجنة التحضيرية للمؤتمر، مشروع التقرير المذهبي الذي ناقشته القاعدة و الذي سوف تناقشه اللجنة الإيديولوجية للمؤتمر على أساس الملاحظات و الاقتراحات الواردة من الخلايا، و الفروع و الأقاليم. لذلك فلا حاجة في قراءته أمامكم، خصوصا و أن اللجنة التحضيرية حضرت وثيقة توضيحية مطولة أخرى في شكل دروس مفصلة سوف يتوصل بها كل إقليم لإقامة مدرسة تكوينية بمساعدة الإطارات الحزبية. إلا أن اللجنة التحضيرية ارتأت أن تكلف مقررها بأن يعرض أمام كافة المؤتمرين الاعتبارات التي وضعتها نصب أعينها عندما حررت مشروع التقرير المذهبي.
فالاعتبار الأول : يتعلق بالأسباب و التساؤلات التي نحن ملزمون بالجواب الواضح عليها، كحركة اشتراكية تعمل من اجل تعبئة طاقات المستقبل في ظروف و في قطر يسود فيه انعدام المقاييس و تطغى عليه أساليب الخلط و التضليل.
و الاعتبار الثاني : يهم منهجية و كيفية طرح المشاكل و الحلول، أي قضية المفاهيم و الأسلوب العلمي في التحليل، و نعني بذلك أسلوب التحليل التاريخي و الجدلي، الشيء الذي يلزمنا بتوضيح ما نسميه بالاشتراكية العلمية و التأكيد على أننا لا نرى تناقضا، بل نرى تكاملا مثمرا بينها و بين المبادئ و التقاليد التقدمية لحضارتنا العربية الإسلامية.
و الاعتبار الثالث : المستخلص من الاعتبارين السابقين، يتعلق بضرورة رفع كل لبس و إبهام حول نوعية المجتمع الاشتراكي الذي نطمح إلى بنائه، و خصوصية هذا المجتمع، و الارتباط الوثيق بين التحرير، و النمو، و الديمقراطية، و البناء الاشتراكي كجوانب من استراتيجية واحدة شاملة، و كذلك الارتباط بين الأهداف و بين طرق و وسائل تحقيقها. هذه هي الاعتبارات التي يجب توضيحها بإيجاز لأنها لا تفسر شكل و مضمون و مشروع التقرير المذهبي فقط، و إنما تشكل منطلق جميع التقارير و المقترحات المعروضة على المؤتمر.
الاعتبار الأول :
ضرورة نظرة واضحة
شاملة كمنطلق و إطار
لجميع مخططاتنا الاستراتيجية
و تصرفاتناالتكتيكية
أيتها الأخوات، أيها الإخوان، إن الاتحاد لا يزعم الإتيان بإيديولوجية جديدة، أو باشتراكية خاصة قد يطلق عليها نعت من النعوت. إن الاشتراكية واحدة، كمنهجية و كهدف، قوامها الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج و التبادل، يتصرف فيها المنتجون بواسطة تنظيماتهم و جهاز الدولة الذي يكون في خدمتهم و تحت مراقبة تنظيماتهم الحزبية و المهنية. و كل ما عدا ذلك، ما هو إلا تضليل و خلط، باعتبار أن التضليل و الخلط يشكلان نوع أساسيا من أنواع القمع الذي تمارسه الرجعية و الطبقات المستغلة. إن التضليل لسلاح فعال لديها في مواجهة حركات التحرير الشعبية، سلاح يمكنها أولا و قبل كل شيء من إخفاء هويتها الحقيقية و دورها الحقيقي و من إخفاء الأسباب العميقة و القارة في قمع و مطاردة المناضلين. إن الاعتبار الأول هو، إذن، ضرورة التوضيح الشامل لطبيعة و خصوصية الصراع الاجتماعي و السياسي في ظروف ما يسمى بالتخلف، و محاربة التخلف، و النمو و غير ذلك من الشعارات التي فرضت نفسها على بلدنا مع الثقافة و المفاهيم التي غرسها، و مازال يغرسها، مفكرو الإمبريالية، فنيوها. إن هؤلاء المستشارين هم الذين يزودون الرجعيات المحلية بالشعارات و الوسائل التضليلية المختلفة، و يملون عليها الحلول المناسبة لكل ظرف، ليضمنوا استمرار المصالح الاستعمارية و الأساسية، و إبقاء أقطارنا مندمجة في نظام الاستغلال العالمي. و الآن، و قد دخل هذا النظام في طور الانهيار، بتفاقم أزمة الطاقة و التضخم المالي، و بفضل الضربات التي تلقاها من حركة التحرير الشعبية في القارات الثلاث، نرى المسؤولين في المغرب يدقون ناقوس الخطر، و ينبهون إلى عدم حرية التصرف الخارجي التي نسميها باسمها الحقيقي منذ 15 سنة، نسميها التبعية. و لكن الحلول التي يلجؤون إليها، ما هي إلا تدابير تابعة لتقلبات السوق العالمية كما هو الشأن منذ 1960، منذ أن أجهضوا محاولة التحرير الاقتصادي و أوقفوا تغيير الهياكل الاقتصادية، و أجهزة الدولة. هناك إذن إصرار على الاستمرار في خطة ما يسمى بالليبرالية و بالمغربة، أي تركيز الهياكل الاقتصادية الاستعمارية بتركيز أو خلق طبقة مغربية تحل محل الرأسماليين و المعمرين الأجانب. و في هذا الاتجاه، فإن التأميمات، و اتساع القطاع العمومي و الشبه العمومي، لا تعني رجوع قطاعات من الإنتاج و التبادل إلى الأمة. لأن جهاز الدولة ليس في خدمة الأمة، و إنما في خدمة الذين يركزون هياكل منافية لمصلحة و تحرير الأمة من الاستعمار الجديد. إن تولي الدولة قطاعات واسعة في الإنتاج، و التصرف، و المبادلات، يدل في الحقيقة عن عجز البورجوازية على تحمل مخاطرات الإنشاء و التصنيع و استعمالها الدولة و القطاع العمومي كأداة تسير تجارتها و منشآتها المتأخرة، و كوسيلة تضع رهن إشارتها أموال و ممتلكات الأمة. لذلك، فإن مشروع التقرير المذهبي ركز الانتباه على كل المفاهيم المتعلقة بما يسمى بالتخلف، و حلل طبيعته و مصادره الحقيقية بكيفية تزيل اللبس و الإبهام حول الحلول التي يقترحها الآن فنيو الإمبريالية أنفسهم مثل الإصلاح الزراعي، و التأميمات و العدالة الاجتماعية، مادامت طبيعة الإنتاج لا تتغير، و مادامت دواليب الإدماج في النظام الاستغلالي العالمي تتعزز، لأن التبعية لا يمكن إلا أن تتعزز. إن مشروع التقرير يهدف من خلال هذا التحليل إلى إبراز الوحدة الحتمية بين تعزيز دواليب التبعية، و بين تصاعد سرعة التدهور الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي للجماهير الشعبية. و أمام هذه الحقيقة التي يعرفها و يعيشها الجميع، نرى المواقف منذ 15 سنة لا تعبر إلا عن الحسابات السياسية و التكتيكية.
هناك من يسطر البرامج المتمثلة في قائمة الطلبات دون الربط بين الأهداف ببعضها و دون التعريف بالوسائل و الطرق التي يراها ناجعة لتحقيق هذه الأهداف.
و هناك من لا يميز ببين الوطنية، و بين مغربة الاقتصاد، في حين أنه يطالب بالعدالة الاجتماعية.
و هناك من يرفع منذ 10 سنوات شعار "التغيير الجذري للهياكل الاقتصادية و الاجتماعية لصالح الجماهير" دون أن يوضح المضمون العلمي هذا التغيير، لاسيما و أنه يرفض مسبقا أن تشارك الجماهير في انتخاب المؤسسات التي قد تحدد مضمون هذا التغيير و طبيعة الهياكل و الإصلاحات الجذرية المزعومة.
و هناك من يكتفي بترديد نفس الشعار، و الإشادة بالدور الطلائعي التاريخي للطبقة العاملة، دون الكلام عن الكيفية العملية، و النضالات الفعلية التي قد تعطي مدلولا ملموسا لهذه الشعارات.
و هناك من يدعو إلى الواقعية باسم الاشتراكية العلمية، واقعية تنتهي إلى تكرار نفس الشعارات و الخطط رغم تغيير الواقع و معه ظروف و معطيات الصراع الاجتماعي و السياسي. هكذا استمرت المواقف و البرامج و الشعارات المبنية على التحليل المجرد، على تفكير و استراتيجيات سياسية تحاول التكيف مع تغيرات الأوضاع السياسية العابرة. و الحقيقة أن هذا الخلط راجع في الأصل إلى انعدام المقاييس، و تعود القيادات السياسية منذ بداية الاستقلال على ممارسة الصراع السياسي في شكل البلاغات و التجمعات الإخبارية، و الاكتفاء بالشعارات الدعائية على المستوى الجماهيري. و هكذا بقيت التوعية أسلوبا منعزلا عن النضال الفعلي بحيث ينتهي الأمر عمليا إلى تركيز أساليب برلمانية بدون برلمان، و إلى الكلام عن التمثيلية بدون مقاييس و مؤسسات تمثيلية. لكن مخزنة أجهزة الدولة استمرت في نفس الوقت بجميع نتائجها، مع جدلية الصراع الطبقي، و جدلية الأحداث و الواقع المادي الملموس الذي تعيشه الجماهير الشعبية و الذي لا يقبل التحليلات المجردة كانت نزيهة أو مغرضة. و من جملة الجماهير الشعبية، هناك الشباب بصفة خاصة، الذي لا يهمه الماضي، و نضال الماضي، و إنما يهمه واقعه و مستقبله الذي يراه مظلما. و الشباب بطبيعته، كان أميا أو مثقفا، يرفض التعقيد و الغموض و الالتواء، و يطمح إلى الوضوح و إلى فكرة شاملة و منسجمة، فكرة لا تبرر الواقع و الإخفاق، و إنما تعبر عن الواقع، و عن الحلول الضرورية من اجل تغييره. انه متعطش إلى الانسجام الفكري، و يبحث عنه، بحيث نرى طاقاته تتجه :
إما نحو نماذج اشتراكية مجردة و تقليد تجارب الشباب الأوربي الثائر، و ذلك باسم الماركسية اللينينية.
و إما نحو البحث عن نموذج المدينة الفاضلة في عهد عمر بن الخطاب و الانغماس في الطرقية و الصوفية التي يصرف فيها يأسه و طاقته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق